الليلة العاشرة علي (عليه السلام) والخصائص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الليلة العاشرة علي (عليه السلام) والخصائص

مُساهمة  مهند المسيباوي في الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 15:06

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كما يجب ويرضى والصلاة على محمد المصطفى وأخيه المرتضى وآله الأصفياء.

قال الله تبارك وتعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(1) كلامنا ـ الليلة ـ حول شيء يسير من خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله المختصة به، ولا شك أن في الناس من تشمله العناية الإلهية ويساعده التوفيق أو الحظ فتتوفر فيه النعم والمواهب والفضائل فيمتاز عن غيره وتتكون له شخصية بارزة في النفوس يذكر ويشكر عليها.

وفي الوقت نفسه نجد أفراداً حرموا من تلك المواهب لعدم استعدادهم أو عدم توفر الظروف المساعدة لهم، فلا تكون لهم في المجتمع أي وزن وقيمة وكرامة، وهذه الطبقة المسكينة تتكون عندهم عقدة الحقارة النفسية فيحسبون أنفسهم منبوذين لفقدانها المزايا والفضائل، ويشتد شعورهم بالحقارة النفسية فتهون عليهم أنفسهم، وإرضاء لغرائزهم المتكونة من تلك العقدة، يحاولون سلب الخصائص الموجودة عن المنعمين بها، أو انتقاصهم والمس بكرامتهم والتشنيع عليهم إجابة للحسد الذي يحز في صدورهم ولا شك أن عدد الفاقدين للفضائل أكثر من الواجدين لها، وعلى هذا نرى أصحاب النعم والمواهب محسودين وكلما ازدادوا فضيلة ازداد عدد حسادهم!! ولا يقف أمام الحسد شيء إلا الإيمان بالله والرضى بالتقدير أو السعي والاهتمام في تحصيل تلك المزايا والفضائل الموجودة في المحسود فتحصل المشاركة معه ويزول الاختصاص عنه.

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بينه (عليهم السلام) هم المحسودون في كل زمان ومكان للسبب المتقدم ذكره، وقد وردت أحاديث في تفسير الآية التي افتتحنا بها الكلام أن المقصود من (الناس) في قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(2) هم عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ونذكر في هذه الليلة بعض خصائص الإمام (عليه السلام) وقد مر عليكم ـ فيما سبق ـ شيء من ذلك، ويمكن لنا أن نقول: أن فضائل الإمام (عليه السلام) كلها خصائص منحصرة به لا يشاركه فيها أحد من الناس.

ومن جملة ذلك: حديث رد الشمس لعلي (عليه السلام).

أما الشيعة فلا يشكون في قدرة الله تعالى، ويعتقدون أن الله تعالى هو خالق الشمس، وخالق الشمس قادر على ردها بعد الغروب، وليس ذلك محالاً عقلاً ولا قدرة وليس من قبيل اجتماع الضدين أو النقيضين، وكذلك لا يشكون في استجابة دعاء النبي (صلّى الله عليه وآله) ومسألته من الله تعالى أن يرد الشمس لعلي (عليه السلام) ليصلي صلاة العصر.

والشيعة يعتقدون أن علياً (عليه السلام) مستجاب الدعوة بالإضافة إلى منزلته الرفيعة ودرجاته العالية عند الله تعالى، وبناء على هذا يعتقدون صحة هذا الخبر.

أما لفظ الحديث فعن أسماء بنت عميس: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر، ثم أرسل علياً في حاجة، فجاء وقد صلى رسول الله العصر، فوضع رأسه في حجر علي ولم يحركه حتى غربت الشمس فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): اللهم إن عبدك علياً احتبس نفسه على نبيه فرد عليها شرقها.

قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس.

أما المحدثون من الشيعة فكلهم متفقون على هذه الفضيلة وذكروها في كتبهم وموسوعاتهم، ولقد ذكروا أن هذه الفضيلة وقعت مرتين: مرة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومرة أخرى أيام خلافة الإمام (عليه السلام) ومروره على أرض بابل بالقرب من مدينة الحلة، كما روى ذلك نصر بن مزاحم بإسناده عن عمر قال: حدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي عن أبيه عن عبد خير قال: كنت مع علي أسير في أرض بابل وحضرت الصلاة صلاة العصر، قال: فجعلنا لا نأتي مكاناً إلا رأيناه أقبح من الآخر حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا، وقد كادت الشمس أن تغيب فنزل علي ونزلت معه، فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر، فصلينا العصر ثم غابت الشمس... الخ.

وفي علل الشرائع: عن جويرية بن مسهر قال: قطعنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) جسر الصلاة في وقت العصر، فقال: إن هذه أرض معذبة، لا ينبغي لنبي ولا وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فيها فليصل.

فتفرق الناس يمنة ويسرة يصلون، فقلت أنا: والله لأقلدن هذا الرجل صلاتي اليوم، ولا أصلي حتى يصلي.

فسرنا وجعلت الشمس تسفل وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم حتى وجبت (غابت) الشمس، وقطعنا الأرض، فقال: يا جويرية أذّن.

فقلت: تقول أذّن وقد غابت الشمس، فقال: يا جويرية أذّن.

فأذنت ثم قال لي: أقم.

فأقمت فلما قلت: (قد قامت الصلاة) رأيت شفتيه يتحركان، وسمعت كلاماً كأنه كلام العبرانية، فارتفعت الشمس حتى صارت في مثل وقتها في العصر فصلى، فلما انصرف هوت إلى مكانها واشتبكت النجوم، فقلت: أنا أشهد أنك وصي رسول الله.

فقال يا جويرية أما سمعت الله عز وجل يقول: (فسبح باسم ربك العظيم)(3).

فقلت: بلى.

قال: فإني سألت الله باسمه العظيم فردها علي.

وهنا حديث يجمع بين المرتين اللتين ردت الشمس لعلي (عليه السلام) فيها.

في البحار ج9 عن إرشاد المفيد: (مما أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما استفاضت به الأخبار ورواه علماء السير والآثار ونظمت فيه الشعراء الأشعار، رجوع الشمس له (عليه السلام) مرتين: في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) مرة وبعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) أخرى، وكان من حديث رجوعها عليه في المرة الأولى ما روته أسماء بنت عميس وأم سلمة زوجة النبي (صلّى الله عليه وآله) وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان ذات يوم في منزله وعلي (عليه السلام) بين يديه إذ جاءه جبرائيل (عليه السلام) يناجيه عن الله سبحانه، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يرفع رأسه عنه حتى غربت العصر، فصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً يومئ بركوعه وسجوده إيماء، فلما أفاق من غشيته (صلّى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أفاتتك صلاة العصر؟ قال: لم أستطع أن أصليها قائماً لمكانك يا رسول الله والحال التي كنت عليها في استماع الوحي، فقال له ادع الله حتى يرد عليك الشمس لتصليها قائماً في وقتها كما فاتتك فإن الله تعالى يجيبك بطاعتك لله ورسوله، فسأل أمير المؤمنين (عليه السلام) الله في رد الشمس، فردت حتى صارت في موضعها من السماء وقت صلاة العصر، فصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة العصر في وقتها ثم غربت.

وكان رجوعها بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، فصلى (عليه السلام) بنفسه في طائفة معه العصر فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفاتت الصلاة كثيراً منهم، وفات الجمهور فضل الاجتماع معه، فتكلموا في ذلك، فلما سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه ليجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله تعالى في ردها عليه وكانت في الأفق على الحال التي تكون عليه وقت العصر، فلما سلم القوم غابت الشمس فأكثروا من التسبيح والتهليل والاستغفار والحمد لله على النعمة التي ظهرت فيهم، وسار خبر ذلك في الآفاق وانتشر ذكره في الناس.

رواة حديث رد الشمس لعلي (عليه السلام) من علماء العامة هم:

1 ـ أبو بكر الوراق، له كتاب: (من روى رد الشمس).

2 ـ أبو الحسن شاذان الفضيلي، له رسالة.

3 ـ الحافظ أبو الفتح محمد بن حسين الأزدي الموصلي، له كتاب مفرد فيه.

4 ـ أبو القاسم الحاكم ابن الحداد الحسكاني النيسابوري الحنفي له رسالة (مسألة في تصحيح رد الشمس).

5 ـ أبو عبد الله الجعل الحسين بن علي البصري ثم البغدادي له كتاب: (جواز رد الشمس).

6 ـ أخطب خوارزم أبو المؤيد موفق بن أحمد له كتاب: (رد الشمس لأمير المؤمنين).

7 ـ أبو علي الشريف محمد بن أسعد بن المعمر الحسني النقيب النسابة له جزء في جمع (طرق حديث رد الشمس) لعلي (عليه السلام).

8 ـ أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي الصالحي له جزء (مزيل اللبس عن حديث رد الشمس).

9 ـ الحافظ جلال الدين السيوطي له رسالة في الحديث أسماها (كشف اللبس عن حديث رد الشمس).

10 ـ الحافظ أبو الحسن عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي رواه في سننه.

11 ـ الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصري.

12 ـ محمد بن الحسين الأزدي ذكره في كتابه في (مناقب علي).

13 ـ الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي أخرجه في كتابه الذرية الطاهرة

14 ـ الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي في (مشكل الآثار).

15 ـ الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي.

16 ـ الحافظ أبو القاسم الطبراني رواه في (معجمه الكبير).

17 ـ الحاكم أبو حفص عمر بن أحمد الشهير بابن شاهين ذكره في (مسنده الكبير).

18 ـ الحاكم أبو عبد الله النيسابوري رواه في تاريخ (نيسابور).

19 ـ الحافظ ابن مردويه الأصبهاني أخرجه في (المناقب).

20 ـ أبو إسحاق الثعلبي رواه في (تفسيره).

21 ـ الفقيه أبو الحسن علي بن حبيب البصري البغدادي الشافعي عده من أعلام النبوة في كتابه (أعلام النبوة).

22 ـ الحافظ أبو بكر البيهقي رواه في (الدلائل).

23 ـ الحافظ الخطيب البغدادي ذكره في (تلخيص المتشابه)

24 ـ الحافظ أبو زكريا الأصبهاني الشهير بابن مندة أخرجه في كتابه (المعرفة).

25 ـ الحافظ القاضي عياض أبو الفضل المالكي الأندلسي رواه في كتابه (الشفاء).

26 ـ أخطب الخطباء الخوارزمي رواه (في المناقب).

27 ـ الحافظ أبو الفتح النطنزي رواه في (الخصائص العلوية).

28 ـ أبو المظفر يوسف قزأوغلي الحنفي رواه في (التذكرة).

29 ـ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي، جعل في كتابه (كفاية الطالب) فصلاً في حديث رد الشمس لعلي (عليه السلام).

30 ـ أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي ذكره في كتابه (التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة).

31 ـ شيخ الإسلام الحمويني رواه في (فرائد السمطين).

32 ـ الحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي أخرجه في (طرح التثريب).

33 ـ الإمام أبو الربيع سليمان السبتي الشهير بابن سبع ذكره في كتابه (شفاء الصدور).

34 ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني ذكره في (فتح الباري).

35 ـ الإمام العيني الحنفي ذكره في (عمدة القاري).

36 ـ الحافظ السيوطي رواه في (جمع الجوامع).

37 ـ نور الدين السمهودي الشافعي ذكره في (وفاء الوفاء).

38 ـ الحافظ أبو العباس القسطلاني ذكره في (المواهب اللدنية).

39 ـ الحافظ ابن ربيع رواه في (تمييز الطيب من الخبيث).

40 ـ السيد عبد الرحيم بن عبد الرحمن العباسي ذكره في (معاهد التنصيص).

41 ـ الحافظ شهاب الدين ابن حجر الهيثمي عده في (الصواعق).

42 ـ الملا علي القارئ ذكره في (المرقاة).

43 ـ نور الدين الحلبي الشافعي رواه في (السيرة النبوية).

44 ـ شهاب الدين الخفاجي الحنفي ذكره في (شرح الشفا).

45 ـ أبو العرفان الشيخ برهان الدين إبراهيم بن حسن شهاب الدين الكردي الكوراني ذكره في كتابه (الأمم لإيقاظ الهمم).

46 ـ أبو عبد الله الزرقاني المالكي صححه في (شرح المواهب).

47 ـ شمس الدين الحنفي الشافعي ذكره في تعليقه على (الجامع الصغير) للسيوطي.

48 ـ ميرزا محمد البدخشي ذكره في (نزل الأبرار).

49 ـ الشيخ محمد الصبان عده في (إسعاف الراغبين).

50 ـ الشيخ محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين الدمشقي إمام الحنفية في عصره ذكره في (حاشيته).

51 ـ السيد أحمد زيني دحلان الشافعي ذكره في (السيرة النبوية) هامش (السيرة الحلبية).

52 ـ السيد محمد مؤمن الشبلنجي عده (في نور الأبصار).

اقتطفنا هذه المصادر من كتاب (الغدير ج3) لشيخنا الأميني رحمه الله.

هذا وللشعراء دور هام في الإشادة بهذه الفضيلة أعرضنا عن سرد قصائدهم رعاية للاختصار.

خبر الطائر المشوي

في احتجاج الطبرسي: عن الإمام الصادق عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: كنت أنا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المسجد بعد أن صلى الفجر، ثم نهض ونهضت معه، وكان إذا أراد أن يتجه إلى موضع أعلمني بذلك فكان إذا أبطأ في الموضع صرت إليه لأعرف خبره، لأنه لا يتقار (لا يسكن) قلبي على فراقه ساعة واحدة، فقال لي: إنه متجه إلى بيت عائشة.

فمضى ومضيت إلى بيت فاطمة (عليها السلام) فلم أزل مع الحسن والحسين، وهي وأنا مسروران بهما، ثم إني نهضت وصرت إلى باب عائشة فطرقت الباب فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي، فقالت: إن النبي راقد، فانصرفت، ثم قلت: النبي راقد وعائشة في الدار؟! فرجعت وطرقت الباب فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت أنا علي.

فقالت: إن النبي على حاجة، فانثنيت (انصرفت) مستحيياً من دقي الباب، ووجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبراً، فرجعت مسرعاً فدققت الباب دقاً عنيفاً فقالت لي عائشة: من هذا؟ قلت: أنا علي، فسمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لها: يا عائشة افتحي له الباب، ففتحت فدخلت فقال لي: اقعد يا أبا الحسن، أحدثك بما أنا فيه أو تحدثني بإبطائك عني، فقلت: يا رسول الله حدثني، فإن حديثك أحسن.

فقال: يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من ألم الجوع، فلما دخلت بيت عائشة وأطلت القعود ليس عندها شيء تأتي به مددت يدي وسألت الله القريب المجيب، فهبط علي حبيبي جبرائيل ومعه هذا الطير ـ ووضع إصبعه على طائر بين يديه ـ فقال جبرائيل: إن الله عز وجل أوحى إلي أن آخذ هذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة فآتيك به يا محمد.

فحمدت الله كثيراً، وعرج جبرائيل فرفعت يدي إلى السماء فقلت: اللهم يسر عبداً يحبك ويحبني يأكل معي من هذا الطائر، فمكثت ملياً فلم أر أحداً يطرق الباب، فرفعت يدي، ثم قلت: اللهم يسر عبداً يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي من الطائر، فسمعت طرقك للباب، وارتفاع صوتك فقلت لعائشة: أدخلي علياً، فدخلت، فلم أزل حامداً لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني، ويحبك الله وأحبك فكل يا علي.

فلما أكلت أنا والنبي الطائر قال لي: يا علي حدثني، فقلت: يا رسول الله لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعاً، ثم نهضت أريدك، فجئت فطرقت الباب، فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت: أنا علي.

فقالت: إن النبي راقد.

فانصرفت، فلما أن صرت إلى الطريق الذي سلكته رجعت فقلت: إن النبي راقد وعائشة في الدار؟ لا يكون هذا!! فجئت فطرقت الباب فقالت لي: من هذا؟ فقلت: أنا علي.

فقالت: النبي على حاجة فانصرفت مستحيياً.

فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة وجدت في قلبي ما لا أستطيع عليه صبراً، وقلت: النبي على حاجة وعائشة في الدار؟ فرجعت فدققت الباب الذي سمعته يا رسول الله، فسمعتك يا رسول الله تقول لها: أدخلي علياً.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): أبى الله إلا أن يكون الأمر هكذا، يا حميراء ما حملك على هذا؟ فقالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي يأكل من هذا الطير...الخ.

في مناقب ابن شهر آشوب: روى حديث الطير جماعة منهم: الترمذي في جامعه، وأبو نعيم في حلية الأولياء، والبلاذري في تاريخه، والخركوشي في شرف المصطفى، والسمعاني في فضائل الصحابة، والطبري في الولاية، وابن البيع في الصحيح، وأبو يعلى في المسند، وأحمد في الفضائل والنطنزي في الاختصاص.

وقد رواه محمد بن يحيى الأزدي، وسعيد والمازني وابن شاهين والسدي، وأبو بكر البيهقي، ومالك وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وعبد الملك بن عمير، ومسعر بن كدام، وداوود بن علي بن عبد الله بن عباس وأبو حاتم الرازي بأسانيدهم عن أنس وابن عباس وأم أيمن.

ورواه ابن بطة في الإبانة من طريقين، والخطيب وأبو بكر في تاريخ بغداد من سبعة طرق.

وقد صنف أحمد بن محمد بن سعيد كتاب الطير، وقال القاضي أحمد: قد صح عندي حديث الطير.

وقال أبو عبد الله البصري، إن طريقة أبي عبد الله الجبائي في تصحيح الأخبار تقتضي القول بصحة هذا الخبر لإيراده يوم الشورى فلم ينكر.

قال الشيخ: قد استدل به أمير المؤمنين (عليه السلام) على فضله في قصة الشورى بمحضر من أهلها، فما كان فيهم إلا من عرفه وأقر به، والعلم بذلك كالعلم بالشورى نفسها، فصار متواتراً، وليس في الأمة ـ على اختلافها ـ من دفع هذا الخبر.

وحدثني أبو العزيز كادش العكبري عن أبي طالب الحربي العشاري عن ابن شاهين الواعظ في كتابه: (ما قرب سنده) قال: حدثني نصر بن أبي القاسم الفرائضي، قال: قال محمد بن عيسى الجوهري قال: قال نعيم بن سالم بن قنبر، قال: قال أنس بن مالك...

الخبر.

وقد أخرجه علي بن إبراهيم في كتابه قرب الإسناد، وقد رواه خمسة وثلاثون رجلاً من الصحابة عن أنس، وعشرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقد صح أن الله تعالى والنبي يحبانه، وما صح ذلك لغيره، فيجب الاقتداء به.

ومن نسب خبر الطائر إليه قصر الإمامة عليه.

حديث الطائر بصورة أخرى

مجمع الحديث: إن أنس بن مالك تعصب بعصابة، فسئل عنها فقال: هذه دعوة علي، قيل: وكيف ذلك؟ قال: أهدي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طائر مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فقلت له: رسول الله عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي.

فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثانياً، فجاء علي فقلت: رسول الله عنك مشغول، فرفع علي صوته وقال: وما يشغل رسول الله عني؟ وسمعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا أنس من هذا؟ قلت: علي بن أبي طالب.

قال: ائذن له، فلما دخل قال له: يا علي إني قد دعوت الله ثلاث مرات أن يأتيني بأحب خلقه إليه وإلي يأكل معي هذا الطير، ولو لم تجئني في الثالثة لدعوت الله باسمك أن يأتيني بك.

فقال: يا رسول الله إني قد جئت ثلاث مرات، كل ذلك يردني أنس ويقول: رسول الله عنك مشغول، فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما حملك على هذا؟ قلت: أحببت أن يكون رجلاً من قومي، وفي رواية: قال: رجوت أن يكون رجلاً من الأنصار، فقال لي: أو في الأنصار خير من علي؟ أو في الأنصار أفضل من علي؟؟ قال أنس: فلما كان يوم الدار استشهدني علي فكتمته، فقلت إني نسيته، فرفع علي يده إلى السماء فقال: اللهم ارم أنساً بوضح لا يستره من الناس.

وفي رواية: لا تواريه العمامة.

ثم كشف العمامة عن رأسه فقال: هذه دعوة علي!!.

حديث المنزلة

كانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج معه المسلمون الوضيع منهم والشريف، ولم يبق في المدينة إلا النساء والصبيان وعدد من المتخلفين، فأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يبقى علي في المدينة يحرس المدينة ومن فيها من عوائل المسلمين، وإليكم التفصيل كما رواه المفيد في الإرشاد قال: لما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخروج استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) في أهله وولده وأزواجه ومهاجره، وقال له: يا علي إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، وذلك أنه (صلّى الله عليه وآله) علم من خبث نيات الأعراب وكثير من أهل مكة ومن حولها ممن غزاهم وسفك دماءهم، وأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه (ابتعاده) عنها، وحصوله ببلاد الروم أو نحوها فمتى لم يكن في المدينة من يقوم مقامه لم يؤمن معرتهم، وإيقاع الفساد في دار هجرته والتخطي إلى ما يشين أهله ومخلفيه، وعلم (صلّى الله عليه وآله) أنه لا يقوم مقامه في إرهاب العدو وحراسة دار الهجرة وحياطة من فيها إلا أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستخلفه استخلافاً ظاهراً، ونص عليه بالإمامة من بعده نصاً جلياً وذلك فيما تظاهرت به الرواة: أن أهل النفاق لما علموا باستخلاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً على المدينة لذلك، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنها تتحرس به وتتحصن، ولا يكون فيها للعدو مطمع، فساءهم ذلك وكانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الفساد والاختلاط عند نأي رسول الله عن المدينة وخلوها من مرهوب مخوف يحرسها وغبطوه على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله، وتكلف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر، فأرجفوا (خاضوا في الأخبار السيئة قصد أن يهيج الناس) به، وقالوا: لم يستخلفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إكراماً له وإجلالاً ومودة، وإنما خلفه استثقالاً له، فبهتوا بهذا الإرجاف، كبهت قريش للنبي (صلّى الله عليه وآله) بالجنة (الجنون) تارة وبالشعر أخرى وبالسحر مرة وبالكهانة أخرى، وهم يعلمون ضد ذلك ونقيضه، كما علم المنافقون ضد ما أرجفوا به على أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلافه، وأن النبي كان أخص الناس بأمير المؤمنين (عليه السلام) وكان هو أحب الناس إليه وأسعدهم عنده وأفضلهم لديه، فلما بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن المنافقين يزعمون أنك إنما خلفتني استثقالاً ومقتاً.

فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): ارجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

فتضمن هذا القول من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نصه عليه بالإمامة وإبانته من الكافة بالخلافة، ودل به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، وأوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلا ما خصه العرف من الأخوة (في النسب) واستثناه هو من النبوة.

ألا ترى أنه (صلّى الله عليه وآله) جعل له كافة منازل هارون من موسى إلا المستثنى منه لفظاً وعقلاً.

وقد علم كل من تأمل معاني القرآن وتصفح الروايات والأخبار: أن هارون كان أخا موسى (عليه السلام) لأبيه وأمه، وشريكه في أمره، ووزيره على نبوته وتبليغه رسالات ربه، وأن الله شد به أزره، وأنه كان خليفته على قومه، وكان له من الإمامة عليهم وفرض الطاعة كإمامته وفرض طاعته.

وأنه كان أحب قومه إليه، وأفضلهم لديه، قال الله عز وجل ـ حاكياً عن موسى (عليه السلام) ـ : (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري)(4) فأجاب الله تعالى مسألته، وأعطاه أمنيته، حيث يقول: (قد أوتيت سؤلك يا موسى)(5).

وقال تعالى ـ حاكياً عن موسى ـ : (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)(6).

فلما جعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلا ما خصه العرف من الأخوة في النسب واستثناه من النبوة لفظاً، وهذه فضيلة لم يشركه فيها أحد من الخلق أمير المؤمنين ولا ساواه في معناها، ولا قاربه فيها على حال...الخ.

لا زال ولا يزال بعض المتجاهلين من المسلمين يزعمون أن هذا الحديث غير ثابت في الصحاح ولا معترف به عند الحفاظ وأئمة الحديث.

أو يدعون اختصاص الحديث بيوم تبوك، فيسلبون منه الدلالة على الخلافة والإمامة العامة المطلقة، ونحن نجيب عن الموضوع الأول: بأن هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المتواترة عند المسلمين لا يشك فيه ذو دراية بالأحاديث، وإلمام بالروايات، ومعرفة وبصيرة بالأخبار، ولا مجال للمناقشة ـ عند ذي الألباب ـ حول صحة هذا الحديث.

وأما الرواة لهذا الحديث فكثيرون جداً يصعب استيعاب أسمائهم، ونذكر جملة من مشاهير علماء السنة وحفاظهم ورواتهم:

1 ـ الذهبي في تلخيص المستدرك.

2 ـ ابن حجر الهيثمي في الصواعق.

3 ـ صاحب الجمع بين الصحاح الستة.

4 ـ صاحب الجمع بين الصحيحين.

5 ـ البخاري في صحيحه.

6 ـ مسلم في صحيحه.

7 ـ ابن ماجه في سننه.

8 ـ أحمد بن حنبل في مسنده.

9 ـ البزاز في مسنده.

10 ـ الترمذي في صحيحه.

11 ـ ابن عبد البر في الاستيعاب.

وغيرهم ممن كتب أو ألف كتاباً في فضائل علي (عليه السلام).

وأما محدثو الشيعة وحفاظهم فلا يشكون في صحة هذا الحديث وشهرته، وهذه كتبهم مشحونة بذكر هذا الحديث بجميع الطرق والأسانيد والمصادر والمدارك.

أما الجواب عن الموضوع الثاني فنقول: إن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد كرر كلمته الذهبية (حديث المنزلة) في مواقف عديدة ومواطن كثيرة، ذكرها أعلام المسلمين متفقين على صحتها، وثبوتها واستقامة دلالتها تلك الموارد ـ كما في بشارة المصطفى ـ عن ابن عباس، قال: رأيت حسان بن ثابت واقفاً بمنى، والنبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه مجتمعين، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): هذا علي بن أبي طالب سيد العرب والوصي الأكبر، منزلته مني منزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي لا تقبل التوبة من تائب إلا بحبه.

يا حسان قل فيه شيئاً، فأنشأ حسان بن ثابت يقول:

لا تـقـبـل التـــوبة مـــــن تائب إلا بحب ابــــــن أبــي طالب

أخـــي رســول الله بل صـهره والصهر لا يعــدل بالصاحب

ومـــن يكن مثل عـلـــي وقـــد ردت له الشمس من المغرب

رُدت عليه الشمس في ضوئها بيضاً كأن الشمــس لم تغرب

ومن تلك الموارد: حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع أم سليم (أم أنس بن مالك) وكان النبي يزورها ويحدثها في بيتها: يا أم سليم إن علياً لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى...الخ.

روي ذلك في كنز العمال ومسند أحمد.

ومنها: يوم كان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح عند النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو متكئ على علي (عليه السلام) فضرب بيده على منكبيه ثم قال: يا علي أنت أول المؤمنين إيماناً، وأولهم إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى...الخ.

ومنها: يوم الدار وقد سبق في أول ترجمة حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنها: يوم المؤاخاة الثانية وقد مضى ذكره، وكذلك يوم سد الأبواب وقد مر كل ذلك فيما سبق.

ولولا خوف الملل لذكرنا المصادر لهذه الأحاديث ويمكن لكم مراجعة كتاب (المراجعات) و(الغدير) وغيرهما من الكتب التي كتبت حول هذا الموضوع.

المؤاخاة بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام)

كل شيئين إذا جمعهما جامع يطلق على أحدهما: أنه أخو الآخر مثلاً: العربي تجمع العروبة بينه وبين العرب، فيقال للعربي: يا أخا العرب.

والفارسي يشارك الفرس في العنصر فيقال له: يا أخا الفرس.

واليهودية تجمع بين اليهود فيقال لليهودي: يا أخا اليهود، وأفراد القبيلة يجمعهم كونهم من تلك القبيلة فيقال لهم: يا أخا كندة أو يا أخا تميم وهكذا بقية الأديان أو القبائل أو الأشياء التي تجمع بين الأفراد كالمماثلة والمشابهة...

والأخوان الشقيقان أو الأخوان من قبل الأب وحده أو الأم وحدها يقال لهما: أخوان لأن الأب أو الأم أو كلاهما يجمعان الإنسانين وعلى هذا الأساس يقول الله تعالى: (إنما المؤمنون أخوة)(7) أي أن مبدأ الإيمان يجمعهما.

هذه نظرة خاطفة ولمحة موجزة عن الأخوة والإخاء في العرف والقرآن وقد تجتمع هذه العلل كأخوة النسب وأخوة الدين، وأخوة المماثلة في إنسانين فتتقوى أواصر الأخوة فيما بينهما.

روى البلاذري عن ابن عباس وغيره: لما نزل قوله تعالى: (إنما المؤمنون أخوة)(Cool آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الأشكال والأمثال، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمن، وبين سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، وبين طلحة والزبير، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب الأنصاري، وبين أبي ذر وأبي مسعود، وبين سلمان وحذيفة، وبين حمزة وزيد بن حارثة وبين أبي الدرداء والبلال، وبين جعفر الطيار ومعاذ بن جبل، وبين المقداد وعمار وبين عائشة وحفصة، وبين زينب بنت جحش وميمونة، وبين أم سلمة وصفية حتى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم ثم قال: (أنت أخي، وأنا أخوك يا علي): وفي لفظ: قال علي (عليه السلام): يا رسول الله آخيت بين أصحابك وتركتني، فقال: أنت أخي، أما ترضى أن تدعى إذا دعيت، وتكسى إذا كسيت، وتدخل الجنة إذا دخلت؟ قال: بلى يا رسول الله.

وفي رواية مناقب آل أبي طالب: فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): إنما أخرتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة.

فبكى علي عند ذلك وقال:

أقـيك بنفـســي أيها المصطفــــــــى الذي هــــــــــدانا به الرحمن من عـمـه الجهل

وأفـديك حوبائي وما قــــــدر مهــــجتي؟ لمن أنتمي منه إلى الفرع والأصــــل(9)

ومــن ضمني مــذ كنت طــــفلاً ويــــافعاً وأنعـشـــــــــنـــي بالبـــر والعل والنهـــل

ومن جـده جــدي ومــن عـــــمه عـــمي ومـــن أهــــــــــله أمــي ومـن بنته أهلي

ومن حين آخى بين من كان حــــاضـــراً دعانــي وآخـــــــــــاني وبين مـــن فضلي

لك الفـضل إنــــي ما حــــييت لشاكــــــر لإتمــام ما أوليت يا خـــــــــــــاتم الـــرسل

وقال:

أنا أخو المصطفــى لا شك في نسبي معــــه ربيت وسبطاه هـما ولــدي

وقال:

محمـــد النبــــي أخـــــي وصنـــــوي وحمـــزة سيـــد الشهــداء عـمـــي

ولا شك أن هذه الأخوة ليست نسبية، إذ لم يكونا أخوين من النسب تحقيقاً وإنما قال ذلك فيه إبانة لمنزلته وفضله وإمامته على سائر المسلمين، لئلا يتقدمه أحد منهم، ولا يتآمر عليه بعد ما آخى بينهم أجمعين: الأشكال، وجعله شكلاً لنفسه، ولهذا كان علي (عليه السلام) يفتخر بهذه المنقبة والفضيلة لما فيه من علو الرتبة وسمو المنزلة، وشدة الاختصاص بالنبي، وكان علي (عليه السلام) يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم، لا يقوله غيري إلا كذاب.

إن كثرة النصوص الواردة حول هذه الفضيلة وتواترها لا تبقي مجالاً للشك والريب، وقد ذكرها طائفة كبيرة من علماء السنة وحفاظهم، وتطرق إلى ذلك الشعراء في نظمهم وقريضهم لم نذكرها رعاية للاختصار.

مصادر حديث المؤاخاة بين رسول الله وعلي (عليهما السلام)

وهي خمسون مصدراً:

1 ـ جامع الترمذي 2 ص213.

2 ـ مصابيح البغوي 2 ص199.

3 ـ مستدرك الحاكم 3 ص14.

4 ـ الاستيعاب2 ص460.

5 ـ تيسير الوصول 3 ص271.

6 ـ مشكاة المصابيح هامش المرقاة 5 ص569.

7 ـ الرياض النضرة 2 ص167 وفي ص212.

8 ـ الفصول المهمة ص22، 29.

9 ـ تذكرة السبط ص13، 15.

10 ـ كفاية الكنجي ص82.

11 ـ السيرة النبوية لابن سيد الناس 1 ص200 ـ 203.

12 ـ تاريخ ابن كثير 7 ص335.

13 ـ أسنى المطالب للجزري ص9.

14 ـ مطالب السؤول ص18.

15 ـ الصواعق ص73، 75.

16 ـ تاريخ الخلفاء ص114.

17 ـ الإصابة 2 ص507.

18 ـ المواقف 3 ص276.

19 ـ شرح المواهب 1 ص373.

20 ـ طبقات الشعراني2 ص55.

21 ـ تاريخ القرماني هامش الكامل 1 ص216.

22 ـ السيرة الحلبية 1 ص23، 101.

23 ـ السيرة النبوية لزيني دحلان 1 ص325.

24 ـ كفاية الشنقيطي ص34.

25 ـ الإمام علي بن أبي طالب للأستاذ محمد رضا ص21.

26 ـ الإمام علي بن أبي طالب للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود قاله في ص73.

27 ـ الرياض النضرة 2 ص209.

28 ـ تاريخ ابن عساكر 6 ص201.

29 ـ كنز العمال 6 ص390.

30 ـ تاريخ ابن هشام 2 ص123.

31 ـ الفتاوى الحديثية ص42.

32 ـ تاريخ الخطيب 12 ص268.

33 ـ مسند أحمد 1 ص230.

34 ـ الإمتاع للمقريزي ص340.

35 ـ المحاسن والمساوئ 1 ص31.

36 ـ مجمع الزوائد 9 ص111.

37 ـ مناقب الخوارزمي ص87.

38 ـ شمس الأخيار ص35.

39 ـ فيض القدير 4 ص355.

40 ـ مصباح الظلام 2 ص56.

41 ـ حلية الأولياء 1 ص67.

42 ـ شرح ابن أبي الحديد 2 ص449.

43 ـ فرائد السمطين في الباب 30 و50.

44 ـ نزهة المجالس 2 ص241.

45 ـ ذخائر العقبى ص91.

46 ـ تاريخ بغداد 11 ص112.

47 ـ خصائص النسائي ص32.

48 ـ سنن ابن ماجه 1 ص57.

49 ـ العقد الفريد ص275.

50 ـ تاريخ الطبري 312.

سورة براءة

لما نزلت هذه السورة على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أمر رسول الله أبا بكر أن يذهب إلى مكة ويقرأها على الناس، وفي رواية: يقرأ عشر آيات من أول هذه السورة، وأن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، فلما وصل أبو بكر إلى ذي الحلفية نزل جبرائيل على النبي وقال: لا يبلغ عنك إلا علي.

فدعا رسول الله علياً وأمره أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر ويأخذ منه سورة براءة ويقرأها على الناس بمكة، فأدرك علي أبا بكر فلما رآه أبو بكر فزع من لحوقه به واستقبله فقال: فيم جئت يا أبا الحسن؟ أسائر أنت معي أم لغير ذلك؟ فقال علي: إن رسول الله أمرني أن ألحقك فأقبض منك الآيات من براءة وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، وأمرني أن أخيرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه، فقال: بل أرجع إليه وعاد إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فلما دخل عليه قال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق إلي فيه، فلما توجهت إليه رددتني عنه، ما لي أنزل في قرآن؟ فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): لا، ولكن الأمين جبرائيل (عليه السلام) هبط إلي عن الله عز وجل بأنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني، ولا يؤدي عني إلا علي.

قال المقريزي في الإمتاع: بأن العرب كان إذا تحالف سيدهم أو رئيسهم لم ينقض ذلك إلا الذي يحالف أو أقرب الناس قرابة منه، وكان علي رضي الله عنه هو الذي عاهد المشركين فلذلك بعثه (صلّى الله عليه وآله) ببراءة.

وذكر أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن زيد بن نقيع قال: سألنا علياً بأي شيء بعثت في ذي الحجة؟ قال بعثت بأربعة: لا تدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.

وروي أنه (عليه السلام) قام عند جمرة العقبة وقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر، ولا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فله عهده إلى أربعة أشهر، ومن لا عهد له فله مدة بقية الأشهر الحرم، وقرأ عليهم سورة براءة، وقيل: قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أول براءة، وروي أنه (عليه السلام) لما نادى فيهم: (إن الله بريء من المشركين)(10).

قال المشركون: نحن نتبرأ من عهدك وعهد ابن عمك.

وهذه صور أخرى:

في البحار عن الإمام الباقر (عليه السلام): لما سرح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بأول سورة براءة إلى أهل مكة أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن لا تبعث هذا وأن تبعث علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإنه لا يؤديها عنك غيره، فأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب فلحقه وأخذ منه الصحيفة وقال: ارجع إلى النبي، فقال أبو بكر: هل حدث في شيء؟ فقال: سيخبرك رسول الله، فرجع أبو بكر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ما كنت ترى أني مؤد عنك هذه الرسالة؟ فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): أبى الله أن يؤديها إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأكثر أبو بكر عليه من الكلام فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): كيف تؤديها وأنت صاحبي في الغار.

قال: فانطلق علي (عليه السلام) حتى قدم مكة ثم وافى عرفات، ثم رجع إلى جمع، ثم إلى منى ثم ذبح وحلق، وصعد على الجبل المشرف المعروف بالشعب فأذن ثلاث مرات: ألا تسمعون أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم؟ ثم قال: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله)(11) إلى قوله: (إن الله غفور رحيم)(12) تسع آيات من أولها، ثم لمع بسيفه (أي أشار) فأسمع الناس وكررها فقال الناس: من هذا الذي ينادي في الناس؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، وقال من عرفه من الناس: هذا ابن عم محمد، وما كان ليجترئ على هذا غير عشيرة محمد (صلّى الله عليه وآله)، فأقام أيام التشريق ثلاثة ينادي بذلك ويقرأ على الناس غدوة وعشية، فناداه الناس من المشركين: أبلغ ابن عمك أن ليس له عندنا إلا ضرباً بالسيف وطعناً بالرماح.

ثم انصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يقصد في السير، وأبطأ الوحي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمر علي وما كان منه، فاغتم النبي لذلك غماً شديداً حتى رؤي في وجهه، وكف عن النساء من الهم والغم، فقال بعضهم لبعض: لعله قد نعيت إليه نفسه أو عرض له مرض، فقالوا لأبي ذر: قد نعلم منزلتك من رسول الله، وقد ترى ما به، فنحن نحب أن تعلم لنا أمره، فسأل أبو ذر النبي (صلّى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال النبي: ما نعيت إلي نفسي وإني لميت، وما وجدت في أمتي إلا خيراً، وما بي من مرض، ولكن من شدة وجدي بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وإبطاء الوحي عني في أمره، فإن الله عز وجل قد أعطاني في علي (عليه السلام) تسع خصال: ثلاثة لدنياي، واثنتان لآخرتي واثنتان أنا منهما آمن، واثنتان أنا منهما خائف، وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا صلى الغداة استقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر الله عز وجل، وتقدم علي بن أبي طالب خلف النبي (صلّى الله عليه وآله) ويستقبل الناس بوجهه فيستأذنون في حوائجهم، وبذلك أمرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلما توجه علي (عليه السلام) إلى ذلك الوجه لم يجعل رسول الله مكان علي لأحد، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا صلى وسلم استقبل الناس بوجهه فأذن للناس.

فقام أبو ذر فقال: يا رسول الله لي حاجة، قال: انطلق في حاجتك.

فخرج أبو ذر من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما كان ببعض الطريق إذا هو براكب مقبل على ناقته، فإذا هو علي فاستقبله والتزمه وقبله وقال: بأبي أنت وأمي اقصد في مسيرك حتى أكون أنا الذي أبشر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإن رسول الله من أمرك في غم شديد وهم، فقال له علي (عليه السلام): نعم، فانطلق أبو ذر مسرعاً حتى أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: البشرى، قال: وما بشراك يا أبا ذر؟ قال: قدم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: لك بذلك الجنة، ثم ركب النبي (صلّى الله عليه وآله) وركب معه الناس فلما رآه أناخ ناقته، ونزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتلقاه والتزمه وعانقه ووضع خده على منكب علي وبكى النبي فرحاً بقدومه وبكى علي معه، ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما صنعت بأبي أنت وأمي؟ فإن الوحي أبطأ علي في أمرك، فأخبره بما صنع، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان الله عز وجل أعلم بك مني حين أمرني بإرسالك.

عن الصادق (عليه السلام) قال: خطب علي فاخترط سيفه وقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كان له مدة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر ـ زيادة في مسند الموصلي ـ : ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وهذا هو الذي أمر الله تعالى به إبراهيم (عليه السلام) حين قال: (وطهر بيتي للطـــائفين والقائمين والركع الــسجود)(13) فكان الله تعالى أمر إبراهيم الخليل بالنداء أولاً قوله: (وأذن في الناس بالحج)(14) وأمر الولي بالنداء آخراً قوله: (وأذان من الله ورسوله)(15) قال السدي وأبو مالك وابن عباس وزين العابدين (عليه السلام): الأذان علي بن أبي طالب الذي نادى به.

علي (عليه السلام) يكسر الأصنام

روى أبو بكر الشيرازي...

عن أبي هريرة قال: قال لي جابر بن عبد الله: دخلنا مع النبي مكة، وفي البيت وحوله ثلاث مائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فألقيت كلها لوجوهها، وكان على البيت صنم طويل يقال له (هبل) فنظر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) وقال له: يا علي تركب (تصعد) أو أركب عليك لألقي هبل عن ظهر الكعبة؟ قلت: يا رسول الله بل تركبني فلما جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة، قلت: يا رسول الله بل أركبك، فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه، فو الذي فلق الحبة وبرئ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لمسكتها بيدي!! فألقيت هبل عن ظهر الكعبة، فأنزل الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل)(16).

وروى أحمد بن حنبل وأبو بكر الخطيب بإسناده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: انطلق بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الأصنام فقال: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة ثم صعد رسول الله على منكبي ثم قال لي: انهض بي إلى الصنم، فنهضت به، فلما رأى ضعفي عنه قال: اجلس فجلست وأنزلته عني، وجلس لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم قال لي: اصعد يا علي، فصعدت على منكبه ثم نهض بي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلما نهض بي خيّل لي أني لو شئت نلت السماء وصعدت على الكعبة، وتنحى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فألقيت صنمهم الأكبر صنم قريش، وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد إلى الأرض.

الحديث بصورة أخرى:

روى إسماعيل بن محمد الكوفي في خبر طويل عن ابن عباس أنه كان صنم لخزاعة من فوق الكعبة، فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): يا أبا الحسن انطلق بنا نلقي هذا الصنم عن البيت، فانطلقا ليلاً فقال له: يا أبا الحسن ارق على ظهري، وكان طول الكعبة أربعين ذراعاً، فحمله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: انتهيت يا علي؟ قال: والذي بعثك بالحق لو هممت أن أمس السماء بيدي لمسستها.

واحتمل الصنم وجلد به الأرض فتقطع قطعاً، ثم تعلق بالميزاب وتخلى بنفسه إلى الأرض، فلما سقط ضحك، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): ما يضحكك يا علي أضحك الله سنك؟ قال: ضحكت يا رسول الله تعجباً من أني رميت بنفسي من فوق البيت إلى الأرض فما ألمت ولا أصابني وجع! فقال: كيف تألم يا علي أو يصيبك وجع إنما رفعك محمد وأنزلك جبرائيل..

وفي علل الشرائع وجامع الأخبار عن محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة قال: سألت جعفر بن محمد (الصادق) (عليه السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني وإن شئت فاسأل قال قلت له: يا ابن رسول الله وبأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي؟ فقال بالتوسم والتفرس، أما سمعت قول الله عز وجل: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين)(17) وقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)؟ قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فأخبرني بمسألتي قال: أردت أن تسألني عن رسول الله لم لم يطق حمله علي (عليه السلام) عند حط الأصنام من سطح الكعبة مع قوته وشدته ومع ما ظهر منه في قلع باب القوم بخيبر والرمي به إلى ورائه أربعين ذراعاً؟ وكان لا يطيق حمله أربعون رجلاً؟ وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يركب الناقة والفرس والحمار وركب البراق ليلة المعراج وكل ذلك دون علي في القوة والشدة؟ قال: فقلت له: عن هذا والله أردت أن أسألك يا ابن رسول الله فأخبرني.

فقال (عليه السلام): إن علياً برسول الله تشرف، وبه ارتفع وبه وصل إلى أن أطفأ نار الشرك وأبطل كل معبود من دون الله عز وجل ولو علاه النبي (صلّى الله عليه وآله) لحط الأصنام لكان بعلي مرتفعاً وشريفاً واصلاً إلى حط الأصنام، ولو كان ذلك كذلك لكان أفضل منه، ألا ترى أن علياً (عليه السلام) قال: (لما علوت ظهر رسول الله شرفت وارتفعت حتى لو شئت أن أنال السماء لنلتها)؟ أما علمت أن المصباح هو الذي يهتدى به في الظلمة وانبعاث فرعه من أصله وقد قال علي (عليه السلام): (أنا من أحمد كالضوء من الضوء!).

حديث سد الأبواب

في البحار ج9 عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما بنى مسجده بالمدينة وأشرع بابه وأشرع المهاجرون والأنصار أبوابهم أراد الله عز وجل إبانة محمد وآله الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبرائيل (عليه السلام) عن الله: بأن سدوا الأبواب عن مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أن ينزل بكم العذاب، فأول من بعث إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان العباس، وكان الرسول معاذ بن جبل، ثم مر العباس بفاطمة (عليها السلام) فرآها قاعدة على بابها وقد أقعدت الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال لها: ما بالك قاعدة؟ انظروا إليها كأنها لبوءة بين يديها شبلاها! تظن أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخرج عمه ويدخل ابن عمه! فمر بهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لها: ما بالك قاعدة؟ فقالت: أنتظر أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسد الأبواب، فقال (صلّى الله عليه وآله): إن الله تعالى أمرهم بسد الأبواب واستثنى منهم رسوله وأنتم نفس رسول الله، ثم إن عمر بن الخطاب جاء فقال: إني أحب النظر إليك يا رسول الله إذا مررت إلى مصلاك، فأذن لي في خوخة (فرجة) أنظر إليك منها! فقال: قد أبى الله ذلك، فقال: فمقدار ما أضع عليه وجهي، قال قد أبى الله ذلك، قال: فمقدار ما أضع عليه عيني، فقال: قد أبى الله ذلك ولو قلت: قدر طرف إبرة لم آذن لك، والذي نفسي بيده ما أنا أخرجتكم ولا أدخلتكم ولكن الله أدخلكم وأخرجكم.

ثم قال: لا ينبغي لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في هذا المسجد جنباً إلا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والمنتجبون من آلهم الطيبون من أولادهم..

الحديث بلفظ آخر:

حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما قدم أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) المدينة لم تكن لهم بيوت فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي (صلّى الله عليه وآله): لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا، ثم إن القوم بنوا بيوتاً حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإن النبي (صلّى الله عليه وآله) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك، فقال: سمعاً وطاعة.

فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى عمر فقال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد وتخرج منه، فقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله غير أني أرغب إلى الله تعالى في خوخة (فرجة) في المسجد.

فأبلغه معاذ ما قاله عمر، ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية فقال: سمعاً وطاعة.

فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى حمزة رضي الله عنه فسد بابه وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله وعلي (عليه السلام) على ذلك متردد لا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج؟ وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد بنى له في المسجد بيتاً بين أبياته، فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): اسكن طاهراً مطهراً، فبلغ حمزة قول النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) فقال: يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب فقال له نبي الله: لو كان الأمر إلي ما جعلت دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله وإنك لعلى خير من الله ورسوله، أبشر، فبشره النبي (صلّى الله عليه وآله) فقتل يوم أحد شهيداً، ونفس ذلك رجال على علي فوجدوا في أنفسهم، وتبين فضله عليهم وعلى غيرهم من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فبلغ ذلك النبي (صلّى الله عليه وآله) فقام خطيباً فقال إن رجالاً يجدون في أنفسهم في أن أسكن علياً في المسجد وأخرجهم والله ما أخرجهم ولا أسكنته، إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة)(18) وأمر موسى أن لا يسكن مسجداً ولا ينكح فيه ولا يدخله إلا هارون وذريته، وإن علياً بمنزله هارون من موسى وهو أخي دون أهلي ولا يحل مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلا علي وذريته، فمن شاء فها هنا ـ وأومأ بيده نحو الشام.

ولإبن أبي الحديد كلام جامع يشير إلى بعض الفضائل بصورة موجزة يقول: وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ذا أخلاق متضادة، فمنها أن الغالب على أهل الإقدام والمغامرة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتنمر وجبرية، والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذها والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد وتذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقة ولين.

وضعف قلب وخور طبع، وهاتان حالتان متضادتان وقد اجتمعتا له (عليه السلام).

ومنها: أن الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعيه وطباع وحشية، وكذلك الغالب على أهل الزهاد وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق وعبوس في الوجوه ونفار من الناس واستيحاش.

وعلي (عليه السلام) كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيام الله ومثلاته وأشدهم اجتهادا في العبادة، وآداباً لنفسه في المعاملة.

وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقاً، وأسفرهم وجهاً، وأكثرهم بشراَ وأوفاهم هشاشة وبشاشة، وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر، أو تجهم مباعد، أو غلظة وفظاظة ينفر معها نفس، أو يتكدر معها قلب، حتى عيب بالدعابة.

ولما لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعناً تعلقوا بها (الدعابة) ، واعتمدوا في التنفير عليها، وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة.

ومنها: أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل السيادة والرئاسة أن يكون ذا كبرٍ وتيهٍ وتعظم، وخصوصاً إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في مصاص الشرف ومعدنه، لا شك عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمه (صلوات الله عليه) وقد حصل له الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة، وقد ذكرنا بعضها ومع ذلك كان أشد الناس تواضعاًَ لصغير وكبير، وألينهم عريكة، وأسمحهم خلقاً، وأبعدهم عن الكبر، وأعرفهم بحق.

وكانت حاله هذه حالة في كل زمانيه: زمان خلافته، والزمان الذي قبله، ما غيرت سجيته الإمرة، ولا أحالت خلقه الرئاسة وكيف تحيل الرئاسة خلقه وما زال رئيساً؟ وكيف تغير الإمرة سجيته وما برح أميراً؟ لم يستفد بالخلافة شرفاً، ولا اكتسب بها زينة، بل هو كما قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي في تاريخه المعروف (بالمنتظم) قال: تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعلي وقالوا، وأكثروا فرفع رأسه إليهم وقال: قد أكثرتم، إن علياً لم تزنه الخلافة لكنه زانها، وهذا الكلام بفحواه ومفهومه على أن غيره ازداد بالخلافة وتمت نقيصه، وأن علياً لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتم بالخلافة وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها، فتم نقصها بولايته إياها.

ومنها: إن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء لأن يكونوا قليلي الصفح، بعيدي العفو، لأن أكبادهم واغرة، وقلوبهم ملتهبة، والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمت حال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كثرة إراقة الدماء وما عنده من الحلم والصفح ومغالبته هوى النفس، وقد رأيت فعله يوم الجمل.

ومنها ما رأيناه شجاعاً جواداً قط...

وقد علمت حال أمير المؤمنين في الشجاعة والسخاء كيف هي؟ وهي من أعاجيبه (عليه السلام)...

إلى آخر كلامه.



(1) سورة النساء، الآية: 54.

(2) سورة النساء، الآية: 54.

(3) سورة الأعلى، الآية: 1.

(4) سورة طه، الآيات: 25ـ32.

(5) سورة طه، الآية: 36.

(6) سورة الأعراف، الآية: 142.

(7) سورة الحجرات، الآية: 10.

(Cool سورة الحجرات، الآية: 10.

(9) الحوباء: روح القلب أو النفس.

(10) سورة التوبة، الآية: 3.

(11) سورة التوبة، الآيات: 1ـ3.

(12) سورة التوبة، الآية: 5.

(13) سورة البقرة، الآية: 125.

(14) سورة الحج، الآية: 27.

(15) سورة التوبة، الآية: 3.

(16) سورة الإسراء، الآية: 81.

(17) سورة الحجر، الآية: 75.

(18) سورة يونس، الآية: 87.

مهند المسيباوي
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً

ذكر عدد الرسائل : 75
الموقع : mohanad.iraq12@hotmail.com
العمل/الترفيه : mohanad.iraq12@hotmail.com
المزاج : يعني اضحك
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohanad.iraq12@hotmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى