الليلة السابعة علي (عليه السلام) والقرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الليلة السابعة علي (عليه السلام) والقرآن

مُساهمة  مهند المسيباوي في الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 14:58

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

القرآن كتاب الله عز وجل ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله الذي لا يتبع الهوى ولا يميل إلى الاتجاهات بدافع العاطفة بل هو الحق.

هناك حديث نبوي شريف اتفق عليه الشيعة والسنة، أنه قال (صلّى الله عليه وآله): (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

نجد ـ في الحديث ـ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يقرن العترة بالقرآن والقرآن بالعترة، ويخبر عنهما أنهما لن يفترقا ولن يختلفا في المبدأ وفي أي شيء، فالقرآن يوافق العترة، والعترة تمشي تحت ظل القرآن، فلا اختلاف ولا تنافي بين القرآن والعترة، بل هما متلازمان ومتفقان.

وبناء على هذا هل يمكن أن يسكت القرآن عن عديله وقرينه؟ فيخلو عن اسم العترة والإشارة إليهم؟؟ كلا ثم كلا، فالقرآن فيه تبيان كل شيء وحاشاه أن يسكت عن الإشادة والتنويه عن أشرف أسرة على وجه الأرض وهم أسرة رسول الله الطيبة وعترته الطاهرة، وعلى رأسهم سيد العترة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي ضرب الرقم القياسي في كل مباراة وفاز بكأس البطولة في كل ميدان سباق، وهو والقرآن يسيران في طريق واحد، ويدعوان إلى مبدأ وهدف واحد، فعلي (عليه السلام) يعرف القرآن وفنونه وعلومه وأحكامه وفضائله ومزاياه، والقرآن يجلب الانتباه إلى شخصية علي (عليه السلام) ومكارمه ومحاسنه وخصائصه، وينوّه عن مواقفه ومواطنه وتضحياته في سبيل الهدف الذي أنزل من أجله القرآن.

أليس القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؟ أو ليس القرآن يهدي للتي هي أقوم؟ أو ليس القرآن فيه موعظة وشفاء وهدى ورحمة للمؤمنين؟ أو ليس القرآن هو الحق ويدعو إلى الحق؟ فهذا علي (عليه السلام) عديل القرآن ويسير مع القرآن جنباً بجنب، يدعو ويهدي ويبين ويعظ ويفرق بين الحق والباطل.

إذن، فلا مانع أن يحتوي القرآن (وهو كلام الله المجيد) شيئاً من تقدير الله تعالى لمواقف علي (عليه السلام) والإشادة بفضله وإن لم يكن التنويه صريحاً فقد تكون الكناية أبلغ من التصريح وأوقع في النفس للتحري عن الحقيقة المقصودة.

ولم يكتف القرآن بالإشارة إلى فضائل علي، فحسب، بل نجد كمية هائلة وافرة من الآيات البينات التي شملت أهل البيت (عليهم السلام) أولاً ثم بقية المسلمين ثانياً، فقد روى ابن عباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: ما أنزل الله آية فيها: (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي رأسها وأميرها.

وروى ابن حجر في الصواعق: عن ابن عباس لما نزلت هذه الآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(1) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): هم أنت يا علي وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، وتأتي أعداؤك غضاباً مقحمين.

إلى غير ذلك من عشرات الآيات المأولة بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) المذكورة في الصحاح ورواها المحدثون في صحاحهم.

وفي القرآن آيات واضحات نزلت في شأن أهل البيت (عليهم السلام) وكان علي (عليه السلام) أحدهم بل سيدهم، كما في آية المباهلة وسورة هل أتى وآية التطهير وغيرها مما يطول الكلام بذكر تلك الآيات فلنذكر ـ بصورة موجزة ـ كلاماً حول آية التطهير والمباهلة وسورة هل أتى، ثم ننظر أين ينتهي بنا الكلام: لقد أجمع المفسرون والمحدثون ـ إلا الشاذ النادر منهم ـ واتفقت كلمتهم على: أن آية التطهير نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وإن كان هناك اختلاف في ألفاظ الحديث فالمؤدى واحد.

وخلاصة الواقعة: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألقى رداء أو عباءة أو كساء أو ثوباً أو قطيفة على علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

فقالت أم سلمة: يا رسول الله فأنا؟ وفي رواية: فأنا من أهلك أو: وأنا معكم؟ أو: ألا أدخل معكم؟ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): إنك على خير، أو: مكانك، أو: تنحي وفي رواية: فرفعت الكساء لأدخل فجذبه من يدي وقال: إنك على خير وإنك من أزواج النبي.

فنزلت الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(2).

قال أبو سعيد الخدري: كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يأتي باب علي أربعين صباحاً فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا، أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.

وقال أبو الحمراء: خدمت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تسعة أشهر أو عشرة أشهر ـ فأما التسعة فلا أشك فيها ـ ورسول الله يخرج من طلوع الفجر فيأتي باب فاطمة وعلي والحسن والحسين فيأخذ بعضادتي الباب فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الصلاة، يرحمكم الله.

فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.

فيقول رسول الله: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.

أما المحدثون والمفسرون من الشيعة فكلهم متفقون على اختصاص آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين، لا تشاركهم زوجات النبي فيها.

ومن أعلام السنة ذكر ذلك: الثعلبي في تفسيره وأحمد بن حنبل في مسنده، والواحدي في تفسيره (البسيط)، وابن البطريق في المستدرك.

والرازي في تفسيره وغيرهم ممن يطول الكلام بذكرهم والباقون يقولون إن الآية تشمل أهل البيت وسائر زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).

وقد مر عليكم أن المفسرين والمحدثين ذكروا أن النبي لم يأذن لزوجته أم سلمة أن تدخل تحت الكساء أو الثوب، فكيف تشمل الآية صفية أخت مرحب التي كانت يهودية خيبرية وغيرهن ممن سبق الكفر والشرك إسلامهن؟ ولا دليل لهؤلاء إلا سياق الآية وترتيبها، أو ما يكفي مجيء رسول الله إلى باب بيت علي وفاطمة أربعين صباحاً أو ستة أشهر أو تسعة أشهر يطرق عليهم الباب ويتلو عليهم الآية ليكون دليلاً على أن المقصود بآية التطهير هم أهل هذا البيت فقط، ولم يعهد من النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه طرق باب إحدى زوجاته وتلى عليها الآية ولو مرة واحدة.

ثم إن سياق الآية وأسلوبها يدلان على كلامنا، فإن الخطابات الموجهة إلى زوجات النبي في الآية كلها ضمائر مؤنثة.

قال تعالى: (يا نساء النبي (لستن) كأحد من النساء إن (اتقيتن) فلا (تخضعن) بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض و(قلن) قولاً معروفاً و(قرن) في (بيوتكن) ولا (تبرجن) تبرج الجاهلية الأولى، و(أقمن) الصلاة و(آتين) الزكاة و(أطعن) الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، و(اذكرن) ما يتلى في (بيوتكن) من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً)(3).

ويظهر بكل وضوح أن الضمائر الموجودة في آية التطهير تختلف عما سبقتها ولحقتها من الآيات والخطابات، فقد قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ولم يقل: عنكن، ويطهركن.

فالعدول عن الضمائر المؤنثة إلى الضمائر المذكرة يدل على اختصاص الخطاب بغير نساء النبي المخاطبات في الآية.

هذا وقد ذكر سيدنا المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه: (الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء) بياناً كافياً وكلاماً شافياً حول الأدلة والبراهين والقرائن التي تدل على تخصيص آية التطهير بفاطمة وبعلها وبنيها، وقبل ذلك أسهب شيخنا المجلسي رحمه الله في تفسير هذه الآية وفي ما قيل فيها من الدلالة على الاختصاص بأهل البيت (عليهم السلام).

وقد ذكروا في شأن نزول آية التطهير واجتماع النبي (صلّى الله عليه وآله) مع علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجوهاً كثيرة، والكل متفقون على أن آية التطهير نزلت في هؤلاء (عليهم السلام).

وهذه الآية تدل بكل صراحة على عصمة أصحاب الكساء، وإنهم معصومون من كل ذنب وكل خطأ، والعصمة من مراتب الأنبياء والأوصياء وهي أعلى درجات الرقي والتقرب عند الله تعالى.

علي (عليه السلام) يوم المباهلة

ذكر البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده أن رسول الله كتب إلى أهل نجران قبل أن تنزل عليه سورة النمل (طس) سليمان: (بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد أُوذنتم بحرب، والسلام) فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وادعة، فدفع إليه كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقرأه، فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن من أن يكون ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه وجهدت لك، فبعث الأسقف إلى واحد من بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وادعة وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فسألهم وسألوه، فلم تنزل بهم وبه المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة، فأنزل الله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)(4) إلى قوله: (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(5) فأبوا أن يقروا بذلك.

فلما أصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له ومعه علي (عليه السلام) وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إني أرى أمراً مقبلاً إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فنُلاعنه ولا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً مقبلاً لا يحكم شططاً أبداً، فقالا له: أنت وذاك، فتلقى شرحبيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك، قال: وما هو؟ قال: أحكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.

صورة أخرى للمباهلة

عن علي (عليه السلام) قال: لما قدم وفد نجران على النبي (صلّى الله عليه وآله) قدم فيهم ثلاثة من النصارى من كبارهم: العاقب ومحسن والأسقف فجاءوا إلى اليهود وهم في البيت، فصاحوا بهم يا إخوة القردة والخنازير هذا الرجل بين ظهرانيكم قد غلبكم، انزلوا إلينا، فنزل إليهم منصور اليهودي وكعب بن الأشرف اليهودي، فقالوا لهم: احضروا غداً نمتحنه، فقال: وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) إذا صلى الصبح سأل: هيهنا من الممتحنة أحد؟ فإن وجد أحداً أجابه وإن لم يجد أحداً قرأ على أصحابه ما أنزل عليه في تلك الليلة، فلما صلى الصبح جلسوا بين يديه فقال له الأسقف: يا أبا القاسم فذاك موسى من أبوه؟ النبي (صلّى الله عليه وآله): عمران.

الأسقف: فيوسف من أبوه؟ النبي (صلّى الله عليه وآله): يعقوب.

الأسقف: فداك أبي وأمي فأنت من أبوك؟ النبي (صلّى الله عليه وآله): عبد الله بن عبد المطلب.

الأسقف: فعيسى من أبوه؟ فسكت النبي (صلّى الله عليه وآله) فنزل جبرائيل، فقال هو روح الله وكلمته.

الأسقف: يكون روح بلا جسد؟ فسكت النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأوحي إليه (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون)(6) فوثب الأسقف وثبة إعظام لعيسى أن يقال له من تراب.

ثم قال: ما نجد هذا يا محمد في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا نجد هذا إلا عندك.

فأوحى الله إليه (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)...(7).

فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم، فمتى موعدك؟ قال: بالغداة إن شاء الله، ثم قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): فلما صلى النبي (صلّى الله عليه وآله) الصبح أخذ بيدي وجعلني بين يديه، وأخذ فاطمة (عليها السلام) فجعلها خلف ظهره، وأخذ الحسن والحسين عن يمينه وعن شماله ثم برك لهما باركاً، فلما رأوه قد فعل ذلك ندموا وتآمروا فيما بينهم وقالوا: والله إنه لنبي، ولئن باهلنا ليستجيب الله له علينا فيهلكنا ولا ينجينا شيء منه إلا أن نستقيله، قال: فأقبلوا حتى جلسوا بين يديه، ثم قالوا: يا أبا القاسم أقلنا، قال: نعم، قد أقلتكم، أما والذي بعثني بالحق لو باهلتكم ما ترك الله على ظهر الأرض نصرانياً إلا أهلكه.

قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الفصول: قال المأمون يوماً للرضا (عليه السلام): أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يدل عليها القرآن؟ قال: فقال الرضا (عليه السلام) فضيلة في المباهلة، قال جل جلاله: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(Cool فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السلام) فكانا ابنيه، ودعا فاطمة (عليها السلام) فكانت في هذا الموضع نساءه ودعا أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان نفسه بحكم الله عز وجل، وقد أثبت أنه ليس أحد من خلق الله تعالى أجل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأفضل، فواجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله بحكم الله عز وجل، قال: فقال المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنيه خاصة؟ وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنته وحدها؟ فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره؟ فلا يكون لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما ذكرت من الفضل، قال: فقال له الرضا (عليه السلام): ليس يصح ما ذكرت ـ يا أمير المؤمنين ـ وذلك أن الداعي إنما يكون داعياً لغيره كما أن الآمر آمر لغيره ولا يصح أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة، وإذ لم يدع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المباهلة رجلاً إلا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه وجعل حكمة ذلك في تنزيله.

قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال.

قال الطبرسي (رحمه الله) : أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين (عليهما السلام)، قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله، وأن ولد الابنة ابن في الحقيقة.

وقال ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ : هذا يدل على أن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.

وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية، وكان سنهما في تلك الحال سناً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل، على أن عندنا يجوز أن يخرق العادات للأئمة ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به، ومما يؤيده من الأخبار قول النبي (صلّى الله عليه وآله): ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا.

(ونساءنا) اتفقوا على أن المراد به فاطمة (عليها السلام) لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء، (وأنفسنا) يعني علياً خاصة، ولا يجوز أن يكون المعني به النبي (صلّى الله عليه وآله) لأنه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعي الإنسان نفسه، وإنما يصح أن يدعو غيره.

وإذا كان قوله: (وأنفسنا) لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي (عليه السلام) لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين (عليه السلام) وزوجته وولديه (عليهم السلام) في المباهلة، وهذا يدل على غاية الفضل وعلو الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه أحد ولا يقاربه ـ انتهى.

قال شيخنا المجلسي (رحمه الله) : ويدل على كون المراد بأنفسنا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما رواه ابن حجر في صواعقه رواية عن الدار قطني: أن علياً (عليه السلام) يوم الشورى احتج على أهلها فقال لهم: أنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الرحم مني؟ ومن جعله نفسه، وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهم لا.

ولا يخفى أن تخصيص هؤلاء من بين جميع أقاربه (صلّى الله عليه وآله) للمباهلة دون عباس وعقيل وجعفر وغيرهم لا يكون إلا لأحد شيئين:

إما لكونهم أقرب الخلق إلى الله بعده، حيث استعان بهم في الدعاء على العدو دون غيرهم، وإما لكونهم أعز الخلق عليه حيث عرضهم للمباهلة إظهاراً لوثوقه على حقيته، حيث لم يبال بأن يدعو الخصم عليهم مع شدة حبه لهم، وظاهر: أن حبه (صلّى الله عليه وآله) لم يكن من جهة البشرية والأمور الدنيوية، بل لم يكن يحب إلا من يحبه الله، ولم يكن حبه إلا خالصاً لله... الخ.

قال بعض الأعلام: وخلاصة الكلام: أن مدار الحب في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التقوى والورع وسائر الفضائل والملكات الحسنة لا الأغراض الدنيوية الفاسدة، فتخصيصه (صلّى الله عليه وآله) هؤلاء من بين جميع أقاربه دليل على محبته إياهم، ومحبته دليل على كونهم أتقى وأورع وأفضل من غيرهم.

قال المجلسي (رحمه الله) : فإذا ثبت ذلك فيرجع هذا أيضاً إلى كونهم أقرب الخلق وأحبهم إلى الله، فيكونون أفضل من غيرهم، فيقبح عقلاً تقديم غيرهم عليهم.

وأيضاً لما ثبت أن المقصود بنفس الرسول (صلّى الله عليه وآله) في هذه الآية، ليس المراد النفسية الحقيقية، لامتناع اتحاد الاثنين، وأقرب المجازات إلى الحقيقة اشتراكهما في الصفات والكمالات وخرجت النبوة بالدليل، فبقي غيرها، ومن جملتها وجوب الطاعة والرئاسة العامة والفضل على من سواه وسائر الفضائل.

قال الإمام الرازي في كتابه الأربعين: وأما الشيعة فقد احتجوا على أن علياً أفضل الصحابة بوجوه: الحجة الأولى التمسك بقوله تعالى (فقل تعالوا)(9) وثبت بالأخبار الصحيحة أن المراد من قوله: (وأنفسنا) هو علي، ومن المعلوم أنه يمتنع أن تكون نفس علي هي نفس محمد بعينه فلا بد أن يكون المراد هو المساواة بين النفسين وهذا يقتضي أن كل ما حصل لمحمد من الفضائل والمناقب فقد حصل مثله لعلي، ترك العمل بهذا في فضيلة النبوة فوجب أن تحصل المساواة بينهما وراء هذه الصفة، ثم لا شك أن محمداً (صلّى الله عليه وآله) كان أفضل الخلق في سائر الفضائل، فلما كان علي مساوياً له في تلك الفضائل وجب أن يكون أفضل الخلق، لأن المساوي للأفضل يجب أن يكون أفضل.

ولنعم ما قال الشيخ كاظم الأزري في هذه المناسبة:

يا بن عـم النبـــي أنت يــــــد الله التي عم كل شيء نداها

أنت قـــرآنه القــــديم وأوصا فـك آياتـــه التــــي أوحاها

خصك الله فـــي مآثر شتــــى هي مثل الأعداد لا تتناهى

ليت عيناً بغير روضك ترعـى قـــذيت واستمر فيها قذاها

أنت بعــــد النبي خيـــر البرايا والسما خير ما بها قمراها

لك ذات كـــذاتـــه حيـــث لولا أنـــها مثلـــها لمــــا آخاها

علي (عليه السلام) يتصدق بالخاتم

عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله عز وجل: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)(10) الآية قال: إن رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن صوريا، فأتوا النبي (صلّى الله عليه وآله) فقالوا: يا نبي الله إن موسى أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيك يا رسول الله؟ ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): قوموا.

فقاموا فأتوا المسجد فإذا سائل خارج، فقال: يا سائل أما أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم هذا الخاتم، قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي، قال: على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً.

فكبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وكبر أهل المسجد، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): علي بن أبي طالب وليكم بعدي، قالوا رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبعلي بن أبي طالب ولياً، فأنزل الله عز وجل: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)(11) فتقدم حسان بن ثابت وأنشأ يقول:

أبا حسن تفــديك نفـسي ومهجتـي وكل بطيء فـــي الهدى ومسارع

أيذهـب مــدحي والمحبر ضائــــع وما المدح فــي جنب الآله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكـــعاً فـدتك نفـوس القـوم يا خـيـر راكع

فأنـــزل فـيــك الله خيــــر ولايـــة وبيّنها فـــي محكـمـــات الشرايــع

وقال أيضاً:

عـلـــي أمير المؤمنين أخو الهدى وأفـضل ذي نعل ومـن كان حافـيا

وأول مـــن أدى الــزكــاة بكفـــــه وأول مـن صلى ومن صام طاويا

فـما أتاه ســائــل مـــــد كــفـــــــه إليـــه ولـم يبخـل ولـم يك جافـيـــا

فـــــدس إليــــه خاتماً وهــو راكع وما زال أواهاً إلـــى الخيـر داعـيا

فـبشـــر جبـــريل النبـــي محمـــداً بذاك وجاء الوحي في ذاك ضاحيا

وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين:

فـــديت عـلياً إمـــام الـــورى ســراج البــــرية مأوى التقـــــــى

وصي الرسول وزوج البتول إمــام البـــرية شمــس الضحــــى

تصــــدق خاتمـــــه راكعـــــاً فأحســــن بفعــــل إمام الـــــورى

فـفـضـــله الله رب العـبــــــاد وأنـــزل فـــي شأنــــه هـل أتــــى

صورة أخرى لنزول الآية

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا جلوساً عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ ورد علينا أعرابي أشعث الحال عليه أثواب رثة والفقر ظاهر بين عينيه، ومعه عياله، فلما دخل المسجد سلم على النبي (صلّى الله عليه وآله) ووقف بين يديه وأنشد يقول:

أتيتك والعـــذراء تبكــــــي بِرنةِ وقـــد ذهـلت أم الصبي عـن الطفـل

وأخـــت وبنتــان وأم كـــبيـــرة وقد كدت من فقري أخالط في عقلي

وقــــد مسنــي فـقر وذل وفاقة وليس لنا شــــيء يمـــر ولا يحـلـى

ولسنا نـــرى إلا إليــــــك فرارنا وأيـن مفــــر الخلق إلا إلـــى الرسل

فلما سمع النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك بكى بكاء شديداً، ثم قال لأصحابه: معاشر المسلمين إن الله تعالى، قد ساق إليكم ثواباً، وقاد إليكم أجراً، والجزاء من الله غرف في الجنة، تضاهي غرف إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فمن منكم يواسي هذا الفقير؟ فلم يجبه أحد، وكان في ناحية المسجد علي بن أبي طالب يصلي ركعات تطوعاً كانت له دائماً، فأومأ إلى الأعرابي بيده فدنا منه، فدفع إليه الخاتم من يده وهو في صلاته فأخذه الأعرابي وانصرف.

ثم إن النبي أتاه جبرائيل ونادى: السلام عليك يا رسول الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: اقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)(12).

فعند ذلك قام النبي (صلّى الله عليه وآله) قائماً على قدميه وقال: معاشر المسلمين أيكم اليوم عمل خيراً حتى جعله الله ولي كل من آمن؟ قالوا: يا رسول الله ما فينا من عمل خيراً سوى ابن عمك علي بن أبي طالب فإنه تصدق بخاتمه على الأعرابي وهو يصلي.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): وجبت الغرف لابن عمي علي بن أبي طالب، فقرأ عليهم الآية... الخ.

صورة ثالثة

في المناقب وكشف الغمة: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل كلما قال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي: أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بهاتين وإلا صُمّتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.

أما إني صليت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً.

وكان علي (عليه السلام) راكعاً، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيه، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، وذلك بمرأى من النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: (اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري)(13) فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا)(14) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أشدد به أزري.

قال أبو ذر: فلما أتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلامه حتى نزل جبرائيل من عند الله عز وجل فقال: يا محمد: اقرأ فأنزل الله عليه (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

وقد روى المفسرون في نزول هذه الآية أنها نزلت في شأن علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه على السائل، وإن اختلفت ألفاظ الحديث فالمفاد والمضمون واحد.

وهذه الآية تصرح لعلي (عليه السلام) بالولاية العامة على المسلمين تلك الولاية الثابتة لله ولرسوله، وسنذكر في حديث الغدير ما تيسر من معنى الولي والمولى إن شاء الله...

علي (عليه السلام) في سورة هل أتى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

في أمالي الصدوق عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه في قوله عز وجل: (يوفون بالنذر)(15) قالا: مرض الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما صبيان صغيران فعادهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنك نذراً إن الله عافاهما، فقال أصوم ثلاثة أيام شكراً لله عز وجل، وكذلك قالت فاطمة (عليها السلام) وقال الصبيان: ونحن أيضاً نصوم ثلاثة أيام، وكذلك قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافية، فأصبحوا صياماً وليس عندهم طعام، فانطلق علي (عليه السلام) إلى جار له من اليهود يقال له: شمعون.

يعالج الصوف فقال هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه فجاء بالصوف والشعير وأخبر فاطمة (عليها السلام) فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرصاً، وصلى علي (عليه السلام) مع النبي (صلّى الله عليه وآله) المغرب؟ ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) وإذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده ثم قال:

فاطم ذات المجد واليقين يا بنت خير الناس أجمعين

إلى آخر الأبيات.

ومضمونها التعطف على المسكين ويطلب (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام) أن تعطي شيئاً للمسكين.

فأقبلت فاطمة تقول:

أمرك سمع يا بن عم وطاعة ما بي من لؤم ولا وضاعة

إلى آخر الأبيات التي تذكر فيها استعدادها لمساعدة المسكين الواقف على الباب ينتظر، وعمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلا الماء القراح.

ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعاً من الشعير وطحنته وغزلته وخبزت منه خمسة أقرصة لكل واحد قرصاً، وصلى علي المغرب مع النبي (صلّى الله عليه وآله) ثم أتى منزله فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) وإذا بيتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي اللقمة من يده ثم قال:

فاطم بنت السيد الكريم قد جاءنا الله بذا اليتيم

إلى آخر أبياته التي يحرضها على إطعام اليتيم.

ثم أقبلت فاطمة وهي تقول:

فسوف أعطيه ولا أبالي وأوثر الله على عيالي

أمسوا جياعاً وهم أشبالي

إلى آخر الأبيات التي تظهر فيها الموافقة على إطعام اليتيم ثم عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء القراح، وأصبحوا صياماً، وعمدت فاطمة (عليها السلام) فغزلت الثلث الباقي من الصوف وطحنت الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً.

وصلى علي المغرب مع النبي (عليهما السلام)، ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) وإذا بأسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا؟ فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده ثم قال:

فاطم يا بنت النبي أحمد بنت نبي سيد مسود

إلى آخر الأبيات.

ثم أقبلت فاطمة وهي تقول:

لم يبق مما كان غير صاع قد دبرت كفي مع الذراع

ثم تذكر استعدادها لمواساة الأسير.

وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعاً، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء.

قال شعيب في حديثه: وأقبل علي بالحسن والحسين (عليهما السلام) نحو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: يا أبا الحسن شد ما يسوؤني ما أرى بكم!؟ انطلق إلى ابنتي فاطمة، فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضمها إليه وقال: واغوثاه بالله؟ أنتم منذ ثلاث فيما أرى؟ فهبط جبرائيل فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرائيل؟ قال: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر)(16) حتى إذا بلغ (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً)(17).

وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى دخل منزل فاطمة (عليها السلام) فرأى ما بهم فجمعهم ثم انكب عليهم فبكى وهو يقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم؟ فهبط عليه جبرائيل بهذه الآيات: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً)(18) قال: هي عين في دار النبي (صلّى الله عليه وآله) يفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين (يوفون بالنذر)(19) يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجاريتهم (ويخافون يوماً كان شره مستطيراً) (ويطمعون الطعام على حبه)(20) يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له (مسكيناً) من مساكين المسلمين (ويتيماً) من يتامى المسلمين (وأسيراً) من أسراء المشركين ويقولون إذا أطعموهم: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً)(21) قال: والله ما قالوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في أنفسهم، فأخبر الله بما في ضمائرهم، ويقولون: لا نريد جزاء تكافئوننا، به ولا شكوراً تثنون علينا به، ولكن إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه، قال الله تعالى ذكره: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة)(22) في الوجوه (وسروراً) في القلوب (وجزاهم بما صبروا جنة)(23) يسكنونها (وحريراً) يفترشونه ويلبسونه (متكئين فيها على الأرائك) والأريكة: السرير عليه الحجلة (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً)(24) قال شيخنا المجلسي (رحمه الله) بعد ذكر أقوال المفسرين والمحدثين: في هذه السورة أقوال: بعدما عرفت من إجماع المفسرين والمحدثين على نزول هذه السورة في أصحاب الكساء (عليهم السلام) علمت أنه لا يريب (يشك) أريب ولا لبيب في أن مثل هذا الإيثار لا يتأتى إلا من قبل الأئمة الأخيار وأن نزول هذه السورة مع المائدة عليهم يدل على جلالتهم ورفعتهم ومكرمتهم لدى العزيز الجبار... الخ.

أقول: وأما كيف يمكن لهؤلاء أن يتجوعوا ثلاثة أيام بلياليها فليس ذلك بمستبعد، لأننا نسمع ونقرأ في الصحف أن بعض الأفراد استمر صومهم تسعة أيام بدون أن يدخل شيء في جوفهم، وأما المرتاضون الذين يتجوعون بصورة مدهشة وينحصر أكلهم في كل يوم في لوزة واحدة ولا يموتون من الجوع بل يعيشون أعواماً وأعواماً، ويمكن أن نقول: إن العادة في التجوع وعدمه لها تأثير ودخل في الموضوع.

وما قاله بعض الجهال: أنه هل يجوز أن يبالغ الإنسان في الصدقة إلى هذا الحد ويجوع نفسه وأهله حتى يشرف على الهلاك؟ فقد ضرب الرقم القياسي في التجاهل أو العناد، لأن هذا هو المواساة والله تعالى يقول: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)(25) مع احتياجهم إلى الطعام يفضلون غيرهم على أنفسهم فلو كان هذا الإيثار قبيحاً لما مدحهم الله تعالى: وأيضاً: إن الله تعالى أنزل سورة على نبيه تقديراً لهذا الإيثار الذي لا نظير له في البشر، إلا عند الأنبياء فما دونهم.

فما قيمة انتقاد المخلوق الجاهل لهذا العمل العظيم الذي لم يسجل ولا يسجل التاريخ شبيهاً ومثيلاً له في تاريخ الكرماء الأسخياء فضلاً عن غيرهم؟؟

مفاخرة علي (عليه السلام) والعباس

روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني عن ابن بريدة عن أبيه قال: بينا شيبة بن أبي طلحة والعباس عم النبي يتفاخران إذ مر بهما علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: بماذا تتفاخران؟ فقال العباس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد: سقاية الحاج.

وقال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام.

فقال علي (عليه السلام) استحييت لكما فقد أوتيت على صغري ما لم تأتيا، فقالا: وما أوتيت يا علي؟ قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله.

فقام العباس يجر ذيل ثوبه حتى دخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: أما ترى إلى ما يستقبلني به علي؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): ادعوا لي علياً فدعي له، فقال: ما حملك على ما استقبلت به عمك؟ فقال: يا رسول الله صدمته (دفعته) بالحق، فمن شاء ليغضب ومن شاء فليرضى.

فنزل جبرائيل وقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: أتل عليهم: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون)(26) فقال العباس: إنا قد رضينا ـ ثلاث مرات.

آية النجوى

المفاخرة بصورة أخرى

قد ذكرنا ـ فيما مضى ـ شيئاً من خصائص الإمام (عليه السلام) التي تفرد بها عن غيره وكان يفتخر بها، لأن الله تعالى أنزل في حقه وشأنه آية أو أكثر.

ومن جملة تلك الخصائص الفريدة والمزايا الحميدة ما رواه المفسرون، في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر)(27).

فقد أورد الثعلبي والواحدي وغيرهما من علماء التفسير: أن الأغنياء أكثروا مناجاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وغلبوا الفقراء على المجالس عنده حتى كره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك واستطالة جلوسهم وكثرة مناجاتهم، فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فأمر بالصدقة أمام المناجاة.

وأما أهل العسرة (الفقراء) فلم يجدوا، وأما الأغنياء فبخلوا، وخف ذلك على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخف ذلك الزحام، وغلبوا على حبه والرغبة في مناجاته حب الحطام، واشتد على أصحابه، فنزلت الآية التي بعدها راشقة لهم بسهام الملام، ناسخة بحكمها حيث أحجم من كان دأبه الإقدام.

وقال علي (عليه السلام): إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي آية المناجاة، فإنها لما نزلت كان لي دينار فبعته بعشر دراهم وكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى فنيت الدراهم، فنسخت (الآية) بقوله: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات)(28) الآية.

وقال ابن عمر: ثلاث كن لعلي لو أن لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه بفاطمة، وإعطاءه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.

وروى الشيخ الطوسي (ره) عن الترمذي والثعلبي عن علي (عليه السلام) أنه قال: بي خفف الله عن هذه الأمة، لأن الله امتحن الصحابة بهذه الآية فتقاعسوا عن مناجاة الرسول، وكان قد احتجب في منزله من مناجاة كل أحد إلا من تصدق وكان معي دينار فتصدقت به، فكنت أنا سبب التوبة من الله على المسلمين حين عملت بالآية، ولو لم يعمل بها أحد لنزل العذاب لامتناع الكل عن العمل بها.

وفي كتاب فرائد السمطين: أن علياً (عليه السلام) ناجى رسول الله عشر مرات بعشر كلمات قدمها عشر صدقات، فسأل في الأولى: ما الوفاء؟ قال: التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله.

ثم قال: وما الفساد؟ قال: الكفر والشرك بالله عز وجل.

قال: وما الحق؟ قال: الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك.

قال: وما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.

قال: وما علي؟ قال: طاعة الله وطاعة رسوله، قال: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: بالصدق واليقين، قال: وما أسأل الله تعالى؟ قال: العافية.

قال: وماذا أصنع لنجاة نفسي؟ قال: كل حلالاً وقل صدقاً قال: وما السرور؟ قال: الجنة.

قال: وما الراحة؟ قال: لقاء الله تعالى، فلما فرغ نسخ حكم الآية.

قال بعض الأعلام: وأنت إذا تأملت في هذه الكلمات العشر وما فيها من الحكم والخير الكثير التي لا يعطيها الله ولا يؤتيها إلا خاصة خلقه والصالحين من عباده تجد أنها جديرة بأن يبذل بإزائها الدنيا وما فيها، وكيف لا وقد بذل أمير المؤمنين (عليه السلام) كل ما كان يملك ـ وهو دينار واحد كما استفدنا من الروايات السابقة ـ ليأخذ هذه الكنوز الغالية من الحكم...

الخ وقد ذكرنا فيما مضى نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)(29).

أنها نزلت في مبيت علي (عليه السلام) على فراش رسول الله، وقد ذكر ذلك المفسرون من الشيعة والسنة.

وقد ذكر المفسرون والمحدثون من الفريقين آيات كثيرة نزلت في شأن علي (عليه السلام) وأنه المقصود بها تفسيراً أو تأويلاً بأنه: الشهيد، والشاهد، والمشهود، والذكر والنور والهدى والصادق والمصدق والصديق والفضل والرحمة والنعمة، والذي عنده علم الكتاب، وقد ورد لكل اسم من هذه الأسماء حديث أو أكثر، يصرح بأن علياً (عليه السلام) هو المقصود بذلك الاسم ورعاية للاختصار اكتفينا بالإشارة فقط، ولنا في المستقبل مجال للتحدث عن الآيات القرآنية التي ترتبط بالإمام علي (عليه السلام).



(1) سورة البينة الآية: 7.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 33.

(3) سورة الأحزاب، الآيات: 32 ـ34

(4) سورة آل عمران، الآية: 59.

(5) سورة آل عمران، الآية: 61.

(6) سورة آل عمران، الآية: 59.

(7) سورة آل عمران، الآية: 61.

(Cool سورة آل عمران، الآية: 61.

(9) سورة آل عمران، الآية: 61.

(10) سورة المائدة، الآية: 55.

(11) سورة المائدة، الآية: 56.

(12) سورة المائدة، الآيتان: 55 و56.

(13) سورة طه، الآيات: 25ـ32.

(14) سورة القصص، الآية: 35.

(15) سورة الإنسان، الآية: 7.

(16) سورة الإنسان، الآية: 1.

(17) سورة الإنسان، الآية: 22.

(18) سورة الإنسان، الآيتان: 5 و6.

(19) سورة الإنسان، الآية: 7.

(20) سورة الإنسان، الآية: 8.

(21) سورة الإنسان، الآية: 9.

(22) سورة الإنسان، الآية: 11.

(23) سورة الإنسان، الآية: 12.

(24) سورة الإنسان، الآية: 13.

(25) سورة الحشر، الآية: 9.

(26) سورة التوبة، الآية: 19.

(27) سورة المجادلة، الآية: 12.

(28) سورة المجادلة، الآية: 13.

(29) سورة البقرة، الآية: 207.

مهند المسيباوي
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً

ذكر عدد الرسائل : 75
الموقع : mohanad.iraq12@hotmail.com
العمل/الترفيه : mohanad.iraq12@hotmail.com
المزاج : يعني اضحك
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohanad.iraq12@hotmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى