الليلة السادسةعلي (عليه السلام) والجهاد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الليلة السادسةعلي (عليه السلام) والجهاد

مُساهمة  مهند المسيباوي في الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 14:55

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما أنعم وصلى الله على سيد العرب والعجم محمد وآله أهل الجود والكرم.

قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)(1) الآية.

الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحافظ على الأمن والسلام، وهو الذي يحافظ على النفوس والأموال والحقوق أكثر من أي دين آخر، وأبغض شيء عند الإسلام هو إراقة دماء البشر وسلبهم نعمة الحياة بغير حق، ولكن الشرع والعقل والقانون يسمح بإراقة دم كل من يقف حجر عثرة في سبيل إسعاد أبناء البشر.

مثلاً: بلدة ليس فيها طبيب ولا دواء، وقد انتشرت فيهم الأمراض وأخذت منهم كل مأخذ، فجاء طبيب يداوي المرضى ويهب لهم الدواء مجاناً وبلا عوض، ويصلح كل ما فسد منهم ويعيد إليهم ما فقدوه من الصحة والعافية والسلامة ليعيشوا سعداء أصحاء.

وإذا بجماعة يحولون بين الطبيب وبين تداوي الناس ويحاربونه بكل ما لديهم من قوة ليحطوا من نشاط الطبيب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وكلما صاح فيهم الطبيب وصرخ وذكر لهم الهدف الذي يبتغيه لأجلهم وهو الخير ازدادوا عناداً، وجعلوا يهددون المرضى ـ الذين قد تحسنت صحتهم ولمسوا العافية من نصائح الطبيب ـ بالوعيد، وكأن هؤلاء لا يعجبهم أن يروا السلامة والصحة تخيمان على رؤوس المرضى.

أليس العقل يحكم على هؤلاء المهرجين بالإعدام؟ أليس هؤلاء أضر على البشر من الحيوانات المفترسة؟ أليس هؤلاء أشد خطراً من الأمراض الفتاكة التي تهدد البشر بالفناء؟ فالمريض هو المجتمع الجاهلي الفاسد، والطبيب هو الرسول، والمهرجون هم المناوئون للرسول، على هذا أمر الإسلام بجهاد المشركين والكفار الذين حاربوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم كان في مكة وهجموا عليه ليقتلوه وكفاه الله شرهم، واضطر النبي أن يترك مسقط رأسه ويهاجر من وطنه كي يستطيع الاستمرار في الدعوة إلى مبدئه وإذا بالأعداء يطاردونه، وتتحزب الأحزاب ضده، ويستعين بعضهم ببعض للقضاء على الرسول ومبدئه وعلى كل من اعتنق ذلك الدين الذي اعتبروه ديناً جديداً.

ولا بد للرسول الأعظم أن يقف أمام هؤلاء للدفاع عن نفسه ومبدئه فهو بحاجة ماسة إلى الأنصار والأعوان ليقاوم بهم الأعداء الألداء، وهم ـ الأنصار ـ أصحابه الذين أسلموا على يديه وهاجروا من مكة، وفيهم الشيوخ والكهول والشبان والمراهقون، وقد امتلأوا حباً للإسلام وتسلحوا بسلاح الإيمان الذي هو أقوى سلاح.

ولكن غريزة حب الحياة ما فارقتهم في بدء الأمر، فمن الصعب المستصعب عليهم أن يخوضوا غمار الموت، ويستقبلوا السيوف والرماح وخاصة وهم الأقلون عدداً وعدة، وعدوهم هو الأكثر عدداً وعدة.

وقعت الحرب الأولى للمسلمين في منطقة بين المدينة ومكة يقال لها: (بدر) فقد خرج الرسول بجيشه إلى ذلك الموضع واستقبل المشركين الذين قصدوه من مكة، وفي بدر التقى العسكران وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين بين التسعمائة والألف وقد اجتمع مشركو مكة وكفارها، وفيهم أقطاب الشرك كأبي جهل وأبي سفيان، وهم يزعمون أن الغلبة لهم والنصر والظفر من نصيبهم، ولكن الله أراد شيئاً آخر، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله.

وكان علي (عليه السلام) له الحظ الأوفر والنصيب الأكثر من الشجاعة ومقاتلة الأبطال ومنازلة الشجعان، ولا أقصد من كلمتي هذه أن علياً كان سفاكاً للدماء، بل المقصود: أن إيمان علي (عليه السلام) بالله كان فوق كل غريزة وكل اتجاه، مع العلم أنه كان يومذاك في ريعان الشباب، والشاب أكثر تعلقاً بالحياة من الشيخ الذي قضى وطره في حياة الدنيا، مع ذلك لم يكن علي (عليه السلام) يعرف للخوف معنى، ولا للجبن مفهوماً في نفسه، بل كان يستقبل الموت برحابة صدر ويهرول في الحرب جانب العدو كأنه يقصد شيئاً يحبه حتى أجمع المسلمون وغير المسلمين أن علياً أشجع العرب والعجم، ولم يشهد التاريخ له مثيلاً ونظيراً فضلاً من أن يرى أشجع منه.

وهذه نبذة من غزوات الرسول (صلّى الله عليه وآله) التي حضرها الإمام.

وكان نصيبه من الجهد والعناء أكثر من غيره، ولم يسلم علي من سهام العدو وسيوفهم، بل كانت الجراحات تأخذ من مقاديم بدنه كل مأخذ، ولولا حفظ الله وعنايته لكان علي من المقتولين في تلك الحروب.

قال ابن أبي الحديد: وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند ـ صديقه وعدوه ـ أنه سيد المجاهدين وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له؟ وقد عرفت أن أعظم غزوة غزاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأشدها نكاية في المشركين: بدر الكبرى التي قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر، وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما...

فلنبدأ بذكر الغزوات حسب التاريخ مع رعاية الإجمال والاختصار ونذكر مواقف علي (عليه السلام) فيها:

علي (عليه السلام) يوم بدر

في البحار: ج6 قال الإمام الباقر (عليه السلام): انتدب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلة بدر إلى الماء، فانتدب علي (عليه السلام)، فخرج، وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة فخرج بقربته، فلما كان إلى القليب (البئر) لم يجد دلواً، فنزل في الجب تلك الساعة، فملأ قربته، ثم أقبل فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به ريح أخرى فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به أخرى فجلس حتى مضت، فلما جاء إلى النبي قال له النبي (صلّى الله عليه وآله): ما حبسك يا علي؟ قال: لقيت ريحاً ثم ريحاً ثم ريحاً شديدة فأصابتني قشعريرة.

فقال: أتدري ما كان ذلك يا علي؟ فقال: لا.

فقال: ذاك جبريل مر في ألف من الملائكة وقد سلم عليك وسلموا، ثم مر ميكائيل في ألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا، ثم مر إسرافيا وألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا.

وفي هذه الليلة اختص أمير المؤمنين (عليه السلام) بثلاثة آلاف فضيلة وثلاث فضائل، لتسليم ثلاثة آلاف وثلاثة من الملائكة عليه، وفيها يقول الحميري:

أقســـــم بــــــالله وآلائـــــه والـــمرء عما قال مســؤول

إن عـلـــي بن أبــي طالـــب عـلــى التقى والبر مجــبول

كان إذا الحرب مرتها القــنا وأحجمت عـنها البهاليـــــل

يمشي إلى القرن وفي كفـه أبيض ماضي الحد مصقول

مشــــي العفرنا بين أشباله أبـــرزه للقـنـــــص الغيــــل

ذاك الذي سلم فـــــــي ليلة عـليـــه ميكــــال وجـبريــل

ميكال في ألف وجبريل في ألف ويتلــــوهم اسرافـيـــل

ليلة بـــدر مــــدداً أنزلــــوا كأنهـــم طيــــر أبابيــــــــل

ولما أصبح الصباح استعد الفريقان للحرب، وتقدم عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد، وقالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم فقالوا: ارجعوا إنما نريد الأكفاء من قريش، فنظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له يومئذ سبعون سنة فقال: قم يا عبيدة، فقام بين يديه بالسيف ونظر إلى حمزة فقال: قم يا عم، ثم نظر إلى علي فقال: قم يا علي (وكان أصغر القوم) فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فقاموا بين يدي رسول الله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم قال: يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة وقال لحمزة: عليك بشيبة.

وقال لعلي (عليه السلام): عليك بالوليد، فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها (قطعها) فسقطا جميعاً وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، قال علي (عليه السلام) لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الأرض ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب (بهر) نهز عمك؟ فحمل عليه علي (عليه السلام) فقال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضرب علي (عليه السلام) شيبة فطرح نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه.

وفي رواية أخرى: أنه برز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة وبرز علي للوليد فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي، وحمل حمزة وعلي عبيدة حتى أتيا به رسول الله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستعبر فقال: يا رسول الله ألست شهيداً؟ قال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي.

فقال: أما لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه، قال: وأي أعمامي تعني؟ فقال: أبو طالب حيث يقول:

كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حولــه ونذهل عن أبنائنا والحلائل

فقال رسول الله رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة، فقال: يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة؟ فقال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك.

كان القتلى من المشركين في يوم بدر سبعين، قتل منهم علي بن أبي طالب سبعة وعشرين، وكان الأسرى سبعين!! صورة أخرى للواقعة: فصاح بهم عتبة: اتسبوا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاء نقاتلكم.

فقال عبيدة: أنا عبيدة وهو يومئذ أكبر المسلمين، فقال: هو كفو كريم، ثم قال لحمزة: من أنت؟ قال: حمزة بن عبد المطلب، أنا أسد الله وأسد رسوله، أنا صاحب الحلفاء، فقال له عتبة: سترى صولتك اليوم يا أسد الله وأسد رسوله قد لقيت أسد المطيبين!! فقال لعلي: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله، أنا علي بن أبي طالب.

فقال: يا وليد دونك الغلام، فأقبل الوليد يشتد إلى علي، قد تنور وتخلق.

وعليه خاتم من ذهب، بيده السيف قال علي: قد طال علي في طول نحو من ذراع، فختلته حتى ضربت يده التي فيها السيف، فبدرت يده وبدر السيف حتى نظرت إلى بصيص (بريق) الذهب في البطحاء، وصاح صيحة أسمع أهل العسكرين فذهب مولياً نحو أبيه وشد عليه علي (عليه السلام)، فضرب فخذه فسقط، وقام علي (عليه السلام) وقال:

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب وهاشم المطعم في العام السغب

أوفي بميثاقي وأحمي عن حسب

ثم ضربه فقطع فخذه.

ففي ذلك تقول هند بنت عتبة:

أبي وعمي وشقيق بكري أخي الذي كانوا كضوء البدر

بهم كسرت يا علي ظهري

علي (عليه السلام) يوم أحد

أحد: اسم منطقة بالقرب من المدينة في سفح الجبل، وفيها وقعت واقعة أحد، والتقى المسلمون بالمشركين، واشتعلت نار الحرب وقامت على ساق، نقتطف من الواقعة موقف علي (عليه السلام) فيها، وما أصابه من العناء.

وقد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي العبدري من بني عبد الدار، فبرز ونادى: يا محمد أو يا معاشر أصحاب محمد تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إلي، فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يقول:

يا طلح إن كنتم كما تقول لكم خيول ولنا نصـــول

فاثبت لننظر أينا المقـتول وأينا أولـــى بما تقـــول

فقد أتاك الأسد الصؤل

بصارم ليس به فـلــــــول ينصره القاهر والرسول

فقال طلحة: من أنت يا غلام؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: قد علمت يا قضم، إنه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه، فاتقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالحجفة، ثم ضربه أمير المؤمنين على فخذيه فقطعهما جميعاً فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب علي (عليه السلام) ليجهز عليه فحلفه بالرحم فانصرف عنه، فقال المسلمون: ألا أجهزت عليه؟ قال: قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبداً، ثم أخذ الراية سعيد بن أبي طلحة، فقتله علي (عليه السلام)، وسقطت رايته إلى الأرض فأخذها عثمان بن طلحة، فقتله علي (عليه السلام) وسقطت رايته إلى الأرض فأخذها الحارث بن أبي طلحة، فقتله علي (عليه السلام) وسقطت رايته إلى الأرض فأخذها عزيز بن عثمان فقتله علي (عليه السلام) وسقطت رايته إلى الأرض فأخذها عبد الله بن جميلة بن زهير فقتله علي (عليه السلام) وسقطت رايته إلى الأرض، فقتل أمير المؤمنين التاسع من بني الدار وهو أرطأة بن شرحبيل مبارزة، وسقطت الراية إلى الأرض فأخذها مولاهم صوأب فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على يمينه فقطعها، وسقطت الراية إلى الأرض فأخذها بشماله، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على شماله فقطعها فسقطت الراية إلى الأرض فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثم قال: يا بني عبد الدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم؟ فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على رأسه فقتله وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فنصبتها.

وانهزم المشركون وتبعهم المسلمون وشرعوا بجمع الغنائم، ولما رأى المشركون ذلك ووجدوا المسلمين مشغولين بالنهب رجعوا من طريق آخر، وجعلوا المسلمين في الوسط، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، بقيادة خالد بن الوليد، وقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة، وانقسم الناس آنذاك إلى قسمين: المنهزمين وهم الأكثر عدداً، والثابتين وهم ما بين قتيل وجريح، وكان علي (عليه السلام) أكثرهم جراحاً، فقد أصيب في ذلك اليوم بتسعين جراحة يصعب علاجها وتداويها(2).

في البحار: وقال شقيق بن سلمة: كنت أماشي عمر بن الخطاب إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه يا عمر؟ فقال: ويحك!! أما ترى الهزبر القثم بن القثم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغى وبغى، بالسيفين والراية!!! فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب.

فقال: ادن مني أحدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم أحد على أن لا نفر، ومن فر منا فهو ضال، ومن قتل منا فهو شهيد، والنبي (صلّى الله عليه وآله) زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد، تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طاحونتنا، فرأيت علياً (عليه السلام) كالليث يتقي الذر إذ قد حمل كفاً من حصى فرمى به وجوهنا، ثم قال: (شاهت الوجوه، وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون؟ إلى النار؟) فلم نرجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت!!! فقال: بايعتم ثم نكثتم؟ فو الله لأنتم أولى بالقتل ممن أقتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً، أو كالقدحين المملوءين دماً، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبا الحسن، الله الله!! فإن العرب تفر وتكر، وإن الكرة تنفي الفرة.

فكأنه استحيا، فولىا بوجهه عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي فو الله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة...

ولم يبق مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وأمير المؤمنين (عليه السلام) وكلما حملت طائفة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) استقبلهم أمير المؤمينن (صلوات الله عليه) فيدفعهم عن رسول الله، ويقتلهم حتى انقطع سيفه.

عن عكرمة قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: لما انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قط، ولم أملك نفسي وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليفر، وما رأيته في القتلى، وأظنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي، وقلت في نفسي: لأقاتلن به عنه حتى أقتل، وحملت على القوم فأفرجوا عني وإذا أنا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وقع على الأرض مغشياً عليه فقمت على رأسه، فنظر إلي فقال: ما صنع الناس يا علي: فقلت: كفروا يا رسول الله، وولوا الدبر من العدو، وأسلموك، فنظر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال لي: رد عني يا علي هذه الكتيبة، فحملت عليها أضربها بسيفي يميناً وشمالاً حتى ولوا الأدبار، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): أما تسمع يا علي مديحك في السماء؟ إن ملكاً يقال له رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.

فبكيت سروراً وحمدت الله سبحانه على نعمته.

وفي رواية قال الصادق (عليه السلام): انهزم الناس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فغضب غضباً شديداً وكان إذا غضب انحدر من وجهه وجبهته مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي (عليه السلام) إلى جنبه، فقال: ما لك لم تلحق ببني أبيك؟ فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله أكفر بعد إيماني؟ إن لي بك أسوة، فقال: أما الآن فاكفني هؤلاء، فحمل علي (عليه السلام) فضرب أول من لقي منهم، فقال جبرائيل (عليه السلام): إن هذه لهي المواساة يا محمد، قال: (إنه مني وأنا منه) قال جبرائيل: وأنا منكما.

وأقبل علي (عليه السلام) إلى المدينة وهو ثقيل بالجراحات، وبات على الفراش، ولما أصبح النبي (صلّى الله عليه وآله) جاء إلى دار علي يعوده، فبكى علي (عليه السلام) وقال: يا رسول الله أرأيت كيف فاتتني الشهادة؟ فقال الرسول: إنها من ورائك يا علي(3).

علي (عليه السلام) يوم بني النضير

يوم توجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى بني النضير عمد يحمل على حصارهم، فضرب قبته في أقصى بني حطمة من البطحاء، فلما جن الليل رماه رجل من بني النضير بسهم، فأصاب القبة، فأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن تحول قبته إلى السفح، وأحاط بها المهاجرون والأنصار فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى علياً؟!، فقال (صلّى الله عليه وآله): أراه في بعض ما يصلح شأنكم.

فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكان يقال له: عزوراً، فطرحه بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال النبي: كيف صنعت؟ فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريئاً شجاعاً، فكمنت له، وقلت: ما أجرأ أن يخرج إذا اختلط الظلام يطلب منا غرة، فأقبل مصلتاً بسيفه في تسعة نفر من اليهود، فشددت عليه وقتلته، فأفلت أصحابه، ولم يبرحوا قريباً، فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم.

فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) معه عشرة، فأدركوهم قبل أن يدركوا الحصن، فقتلوهم وجاءوا برؤوسهم إلى النبي وأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة.

وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير.

علي (عليه السلام) يوم الخندق

تحزبت الأحزاب ضد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مكة وضواحيها وقصدت المدينة لمحاربة رسول الله، ونزل جبرائيل على النبي وأخبره فاستشار النبي أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق حول المدينة، فأقبل رسول الله ومعه المهاجرون والأنصار، وحفروا الخندق، في جانب من المدينة يشبه نصف الدائرة، فلما فرغوا من حفر الخندق، وصل المشركون، ونزلوا بالقرب من الخندق.

وخرج فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان؟ ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وتعرفها قبل ذلك فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه (سلمان) ثم تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فضربوا خيولهم، فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ منهم الثغرة التي منها اقتحموا، وأقبلت الفرسان نحوهم، وكان بينهم عمرو بن عبد ود فارس قريش وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث (حمل من المعركة) وأثقلته الجراح فلم يشهد أحداً، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس وكان يسمى: فارس يليل لأنه: أقبل في ركب من قريش حتى إذا هو بيليل وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه: امضوا، فمضوا، فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك، وكان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق: المداد، وكان أول من طفره عمرو وأصابه، فقيل في ذلك:

عمرو بن ود كان أول فارس جزع المداد وكان فارس يليل

وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض وأقبل يجول حوله، ويرتجز.

وذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي من يبارز؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد فقام علي (عليه السلام) وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا له يا نبي الله، فقال إنه عمرو، اجلس، ونادى عمرو: ألا رجل؟ وجعل يؤنبهم ويسبهم، ويقول أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها؟ فقام علي (عليه السلام) فقال: أنا له يا رسول الله، فأمره النبي بالجلوس رعاية لابنته فاطمة التي كانت تبكي على جراحات علي (عليه السلام) يوم أحد، ثم نادى الثالثة فقال:

ولقد بححت من النــداء بــجمعكم هـل من مبارز؟

ووقفت إذ جبن المشجع مـــــوقـف البطل المناجز

إنــــي كـــذلك لــــم أزل متسرعاً نحـــو الهزائـــز

إن السماحــــة والشجــا عة في الفتى خير الغرائز

فقام علي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله أنا.

فقال: إنه عمرو، فقال: وإن كان عمراً وأنا علي بن أبي طالب!! فاستأذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأذن له، وألبسه درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه عمامة السحاب على رأسه تسعة أكوار (أدوار) ثم قال له: تقدم.

فقال لما ولى: (اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق

رأسه ومن تحت قدميه).

ثم قال: برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

فمشى إليه وهو يقول:

لا تعجلن فـقـــــــــــد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز

ذو نيــــة وبصيــــــــرة والصــدق منجـــي كل فائز

إني لأرجو أن أقيــــــــم عـليك نائحـــــــة الجنائــــز

من ضربة نجلاء يبـــقى ذكـــرها عنـــــد الهزاهــــز

وما زال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) آنذاك رافعاً يديه مقحماً رأسه إلى السماء داعياً به قائلاً: اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد، فاحفظ علي اليوم علياً، رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.

فقال عمرو: من أنت؟ وكان عمرو شيخاً كبيراً قد جاوز الثمانين، وكان نديم أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية، فانتسب علي له.

فقال عمرو: أجل، لقد كان أبوك نديماً لي وصديقاً، فارجع فإني لا أحب قتلك! فقال علي (عليه السلام): لكني أحب أن أقتلك! فقال عمرو: يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءك خير لك، ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا فأتركك شايلاً بين السماء والأرض لا حي ولا ميت!! فقال له علي (عليه السلام): قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة.

فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي؟ تلك إذاً قسمة ضيزى!! فقال علي (عليه السلام): إن قريشاً تتحدث عنك أنك قلت: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجيب، ولو إلى واحدة منها؟ قال: أجل.

قال: فإني أدعوك إلى الإسلام، وفي رواية: أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

قال: دع هذه!! أو نح هذا.

قال: فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن يتبعك من قريش إلى مكة، فإن يك محمد صادقاً فأنتم أعلى به عيناً، وإن يك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره.

قال: إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاماً خدعني وينشد الشعراء في أشعارها أني جبنت، ورجعت على عقبي من الحرب، وخذلت قوماً رأسوني عليهم.

قال: فإني أدعوك إلى البراز راجلاً، فجمى عمرو وقال: ما كنت أظن أحداً من العرب يرومها مني.

ثم نزل فعقر فرسه ـ وقيل ضرب وجه فرسه ففر ـ ثم قصد نحو علي (عليه السلام) وضربه بالسيف على رأسه، فأصاب السيف الدرقة فقطعها، ووصل السيف إلى رأس علي (عليه السلام).

فضربه علي (عليه السلام) على عاتقه فسقط، وفي رواية: فضربه على رجليه بالسيف فوقع على قفاه، وثار العجاج والغبار، وأقبل علي ليقطع رأسه فجلس على صدره، فتفل اللعين في وجه الإمام (عليه السلام) فغضب (عليه السلام)، وقام عن صدره يتمشى حتى سكن غضبه، ثم عاد إليه فقتله.

وقال ربيعة بن مالك السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت: يا أبا عبد الله: إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تفريط (تقريظ) هذا الرجل.

فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي؟ وما الذي أحدثك به عنه؟ والذي نفس حذيفة بيده: لو وضع جميع أعمال أمة محمد في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال علي في كفة أخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال ربيعة: هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إني لأظنه إسرافاً يا أبا عبد الله!!! فقال حذيفة: يا لكع! وكيف لا يحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه؟ فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله؟

والذي نفس حذيفة بيده: لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.

وجاء علي برأس عمرو إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتهلل وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقام أبو بكر وعمر بن الخطاب وقبلا رأسه، وكان علي (عليه السلام) يقول:

أنا علي وابن عبد المطلب الموت خير للفتى من الهرب

فقال عمر: هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع مثلها؟ فقال علي (عليه السلام): إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي.

وفي رواية: لما جلس علي (عليه السلام) على صدر عمرو ليذبحه قال له عمرو: يا علي قد جلست مني مجلساً عظيماً، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلتي، فقال (عليه السلام): هي أهون علي من ذلك.

ولما قتل علي (عليه السلام) عمراً انهزم المشركون وانكسرت شوكتهم، وكفى الله المؤمنين القتال بعلي (عليه السلام).

قال حسان بن ثابت في قتل عمرو بن عبد ود:

أمسى الفـتى عـمرو بن ود يبتغي بجنــــــــوب يثرب غارة لم تنظـــر

فـلقــد وجدت سيوفـنا مشهــورة ولقــــــد وجدت جيادنا لم تقـصــــر

ولقـــد رأيت غـــــداة بدر عـصبة ضربوك ضرباً غير ضرب المحضر

أصبحت لا تدعـــى ليـــوم كريهة يا عـمـــرو أو لجسيـم أمــر منـكــر

فأجابه بعض بني عامر:

كــذبتم وبيــــت الله لم تقـتلـــــوننا ولكن بسيف الهاشميين فافخــروا

بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغا بكــف عـلــي نلتم ذاك فاقـصـروا

ولم تقتلوا عمرو بن ود ولا ابنـــه ولكـنه الكفـــو الهزبر الغضنفـــر

عـلي الذي فــــي الفخر طال ثناؤه فلا تكثروا الدعوى عليه فتفجروا

ببــدر خـــــرجتم للبراز فــــــردكم شيــوخ قـريش جهــرة وتأخــروا

فـلما أتاهـــم حمــــزة وعـبيــــــدة وجاء عـلـــي بالمهنـــــد يخطـــر

فـقالــوا: نعم أكفاء صـدق فاقـبلوا إليهــم سراعاً إذ بغــوا وتجـبروا

فجــــال عـلـــــي جــــولة هاشمية فـــدمرهم لما عـتــوا وتكـبـــروا

فـليس لكم فخـــر عـلينا بغيـــــــرنا وليـــس لكـم فخــر يعــد ويذكــر

وكان (عليه السلام) يقول ـ مشيراً إلى هذه الفضيلة ـ :

أعـلـــيّ تفتخــر الفـوارس هكـــذا؟ عـنـــي وعـنهم خبروا أصحابي

اليــوم يمنعنــي الفـرارَ حفـيظتـــي ومصمم بالرأس ليــس بنابـــــي

أرديت عـمــراً إذ طغـــى بمهنـــــد صافــــي الحـديد مجرب قـضاب

نصــر الحجارة عــن سفاهــة رأيه ونصـــرت رب محمـــد بصواب

فـصــدرت حيــن تركـتــه متجـــدلاً كالجــــذع بين دكادك وروابـــي

وعـفـفـت عــن أثوابــه ولـو أننــي كــــنت المقـطّـر بزّني أثوابــــي

لا تحسبــــــن الله خــــاذل دينـــــه ونبيــــــه يا معشــــر الأحـــزاب

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.

وفي رواية الحاكم في المستدرك: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة.

وسبب ذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهنٌ بقتل عمرو، ولم يبق في المسلمين بيت من بيوت المسلمين إلا ودخله عزٌّ بقتل عمرو.

ولما وصل الخبر إلى أخت عمرو قالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: علي بن أبي طالب.

فقالت: لم يعد موته إلا على يد كفو كريم لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قاتل الأبطال وبارز الأقران، وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر، ثم أنشأت تقول:

لو كان قاتل عـمــرو غـير قاتله لكنت أبكــــي عـليـــه آخر الأبد

لكـن قاتلــــه مــــن لا يعاب بــه وكان يدعــــى قــديماً بيضة البلد

وفي نسخة: وكان يدعى أبوه بيضة البلد.

ولقد أجاد المرحوم الشيخ كاظم الأزري (عليه الرحمة) في قصيدته الألفية التي يقول فيها:

ظهرت منه فـي الوغى سطوات ما أتـــــى القـــــوم كلهم ما أتاها

يوم غصت بجيش عمرو بن ود لهـــوات الفلا وضـــاق فـضــاها

وتخطـــى إلــى المـدينـــة فــرداً بســـــرايا عـــــزائم ســـــــاراها

فـــدعاهم وهـــم ألـــوف ولكــن ينـظـــــرون الــــذي يشـب لظاها

أيــن أنت عـــن قـســور عامري تتقي الأسد بأســـــه فـــي شراها

فابتـــدى المصطفــى يحدث عما يؤجر الصــابـــرون فـــي أخراها

قائــــــلاً: إن للجليـــــل جـــــناناً ليس غـيـــــر المجاهـــدين يراها

أيــــــن مــــن نفـســه تتوق إلى الجنـات أو يورد الجحيم عــــداها

مــن لعمرو؟ وقـــد ضمنت على الله لــــه مـــــن جنـاتـــــه أعلاها

فالتـــووا عـــن جــوابه كســوام لا تراها مجيبـــــة مــــــن دعاها

وإذا هـــم بــــفارس قـــرشـــــي ترجــــف الأرض خيفــة إذ يطاها

قائلاً: ما لها ســــــواي كفـيـــــل هــــــذه ذمــــة عـلــــــي وفــاها

ومشــى يطلــب الصـفــــوف كما تمشي خماص الحشا إلى مرعاها

فانتضـــــى مشـــــرفـية فـتلقـــى ساق عـمـــرو بضــربة فـبـــراها

وإلى الحشر رنة السـيـــف منـــه يمــلأ الخافـقـيـــن رجـــع صداها

يا لها ضــربة حــــوت مكرمــات لم يـــــزن ثقـل أجـــرها ثقــــلاها

هـــذه مــن علاه إحــدى المعالي وعـلـــى هـــــذه فـقـس ما سواها

علي (عليه السلام) يوم خيبر

قال الطبرسي (رحمه الله): لما قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة، ثم خرج منها غازياً إلى خيبر.

خيبر اسم منطقة تبعد عن المدينة المنورة ساعات، وهي عبارة عن حصون وقلاع محصنة، كانت اليهود تسكنها يومذاك، فلما وصل النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى خيبر، واستعد للقتال واصطف العسكران، خرج رجل من المسلمين اسمه: عامر بن الأكوع يبارز رجلاً من اليهود اسمه مرحب، وكان مرحب يرتجز ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

فأجابه عامر:

قــد عـلمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر

فتضاربا بالسيف، فوقع سيف عامر على ركبته فمات منه.

وحاصر النبي تلك الحصون خمساً وعشرين يوماً، ثم أعطى رايته أبا بكر وقيل: أعطى الراية إلى عمر بن الخطاب أولاً فنهض ونهض معه المسلمون فلقوا أهل خيبر فرجعوا.

وأعطى الراية أبا بكر في اليوم الثاني فذهب مع المسلمين فرجع يجبِّن أصحابه ويجبنونه، فلما علم النبي ذلك قال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.

فبات الناس يتفكرون حول الرجل الموصوف بهذا الصفات، المقصود بكلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان علي غائباً في تلك الغزوة، وما كان الناس يحسبونه المقصود بكلام النبي، حتى قال بعضهم: أما علي فقد كُفيتموه فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه.

بل كان كل منهم يرجو أن يعطى الراية، وأصبح الصباح وخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالراية، وأقبل الناس إلى النبي ليعرفوا الرجل الذي يستحق أن يكون حاملاً لراية الإسلام وفاتحاً لحصون اليهود؟ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، فقال: أرسلوا إليه.

فجاءوا به على بغلة وعينه معصوبة بخرقة، فأخذ سلمة بن الأكوع بيده وأتى به إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال النبي: ما تشتكي يا علي؟ قال: رمد ما أبصر معه، وصداع برأسي.

فقال النبي: اجلس وضع رأسك على فخذي.

ففعل علي ذلك، فدعا له النبي (صلّى الله عليه وآله) وتفل في يده فمسح بها على عينيه ورأسه فانفتحت عيناه وسكن ما كان يجده من الصداع وقال النبي: اللهم قِهِ الحر والبرد.

وأعطاه الراية وكانت بيضاء فقال له: خذ الراية وامض بها، فجبرائيل معك، والنصر أمامك والرعب مبثوث في صدور القوم، واعلم يا علي أنهم يجدون في كتابهم: أن الذي يدمر عليهم اسمه: (إيليا) فإذا لقيتهم فقل: أنا علي، فإنهم يخذلون إن شاء الله.

فأقبل علي (عليه السلام) بالراية يهرول بها ولحقه الناس فركز رمحه قريباً من الحصن، وأشرف عليه حبر من الأحبار فقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال اليهودي: غُلبتم وما أُنزل على موسى ـ أي غلبتم قسماً بالتوراة التي نزلت على موسى (عليه السلام) ـ.

فخرج إليه مرحب في عامة اليهود، وعليه مغفرة وحجر قد ثقبه مثل البيضة على أُم رأسه وهو يرتجز ويقول:

قــــد عـلمت خيبر أنـــي مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

أطعن أحياناً وحيناً أضرب

فقال علي (عليه السلام):

أنا الذي سمتنـــي أمـــي حيــدرة ضرغام آجام وليث قسورة

على الأعادي مثل ريح صرصرة أكيلكم بالسيف كيل السندرة

أضرب بالسيف رقاب الكفرة

فلما سمع مرحب منه ذلك هرب ولم يقف، خوفاً مما حذرته منه ظئره، فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود فقال له: إلى أين يا مرحب؟ فقال: قد تسمى علي هذا القرن بحيدرة فقال له إبليس: فما حيدرة؟ قال مرحب: إن فلانة ظئري (مرضعتي) كانت تحذرني من مبارزة رجل اسمه: حيدرة.

وتقول: إنه قاتلك.

فقال إبليس: شوهاً لك! لو لم يكن حيدرة إلا هذا وحده لما كان مثلك يرجع عن مثله، تأخذ بقول النساء وهن يخطئن أكثر مما يصبن، وحيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سدت قومك، وأنا في ظهرك أستصرخ اليهود لك.

فرجع مرحب إلى قتال علي (عليه السلام) فدعاهم علي (عليه السلام) إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب فاختاروا الحرب، فضربه الإمام بالسيف على رأسه ضربة قطعت الحجر والمغفر رأسه حتى وقع السيف في أضراسه، فخر صريعاً، وحمل علي (عليه السلام) على الجيش اليهودي فانهزموا ودخلوا الحصن، وسدوا بابه، وكان الباب حجراً منقوراً في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور، كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف، وقد ذكرنا في الجزء الثاني من شرح نهج البلاغة بياناً حول الباب المزبور.

رمى علي (عليه السلام) القوس من يده اليسرى وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر وكان السيف بيده اليمنى ثم جذبه إليه فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى، فحملت عليه اليهود، فجعل علي (عليه السلام) الباب ترساً له، وحمل عليهم فانهزموا، فرمى الحجر بيده اليسرى إلى خلفه فمر الحجر على رؤوس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر، وإلى هذا أشار ابن أبي الحديد في قصيدته مخاطباً الإمام (عليه السلام):

يا قالع الباب الذي عــــن هــــــزه عجزت أكف أربعون وأربع

واجتمع المسلمون ليرفعوا ذلك الحجر فلم يستطيعوا وهم أربعون رجلاً، وفتح علي تلك الحصون.

وتقدم حسان بن ثابت واستأذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يقول شعراً فقال له: قل.

فأنشأ يقول:

وكان عـلــــي أرمد العـــيــن يبتغي دواء فـلما لـم يحـس مداويا

شفاه رســـــول الله منـــه بتفـلــــة فـبــورك مرقياً وبورك راقيا

وقال: سأعطي الراية اليوم صارماً كمياً محــباً للـــرسول مواليا

يحـــب إلهـــــي والإلــــه يحبــــــه به يفتح الله الحصون الأوابيا

فأصفـــــى بها دون البـــرية كلــها عـلياً وسماه الوزير المواخيا

فعند ذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك، ومن فضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك: أن تكون أنت مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي، وأنك في الآخرة أقرب الناس مني، وأنك غداً على الحوض خليفتي، وأنك أول من يرد علي الحوض غداً، وأنك أول من يكسى معي، وأنك أول من يدخل الجنة من أمتي، وأن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني، وأن حربك حربي، وأن سلمك سلمي، وأن سرك سري وأن علانيتك علانيتي، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري وأن ولدك ولدي وأنك تنجز عدتي، وأن الحق على لسانك وفي قلبك، وبين عينيك، وأن الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنه لا يرد علي الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك غداً حتى يردوا الحوض معك.

فخر علي ساجداً شكراً لله.

وقال المرحوم الشيخ الأزري في قصيدته الفريدة:

ولـــه يـــــوم خيبــــر فـتكات كبــــــرت منظراً على من رآها

يوم قال النبـي: إني لأعطـــي رايتـــــي ليثها وحامــي حماها

فاستطالت أعـناق كـل فـريــق ليروا أي ماجــــــــــــد يعطاها

فدعى: أين وارث العلم والحلـ ـم مجيـــر الأيـــــام من باساها

أين ذو النجـــدة الذي لو دعته فــــي الثـــريا مــــروعة لباها

فأتاه الوصــي أرمــــد عـيـــن فـسقاها مــن ريقـــــه فـشفاها

ومضى يطلب الصفوف فولّت عـنــــه عـلماً بأنـــــــه أمضاها

وبرى مـرحباً بكـــف اقـتـــدار أقوياء الأقـــدار مـــن ضعفاها

ودحـــى بابــها بقــــــوة بأس لو حمتها الأفلاك منــــه دحاها

عائــــد للمؤمليـــن مجيـــــب سامـــــع ما تسر من نـــجواها

إنما المصطفــــى مدينــة علم وهـــو الباب مـــن أتاه أتـــــاها

وهـما مقـلتـا العــــوالم: يسرا ها عـلــــي وأحمـــــد يمـــناها

علي (عليه السلام) يوم حنين

وفي يوم حنين لما تقدم أبو جرول ووراءه المشركون، وكانت الراية بيده وهو يرتجز قائلاً:

أنا أبــــو جرول لا براح حتـــى نبيح القــوم أو نباح

فقصده أمير المؤمنين فضرب عجز بعيره ثم ضربه وقتله ثم قال:

قد علم القوم لدى الصباح إني لدى الهيجاء ذو نصاح

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول، وحمل عليهم المسلمون يقدمهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقتل منهم أربعين رجلاً وانهزم الباقون، وأُسر من أُسر منهم، وذلك بعد هزيمة المسلمين وتفرقهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد ذكر القرآن الكريم موقف المسلمين يومذاك بقوله تعالى: (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)(4) ثم أنزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين.

ولابن أبي الحديد كلمة بالمناسبة في مقدمة شرحه على النهج:

(أما الشجاعة: فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فرّ قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية.

وفي الحديث: كانت ضرباته وتراً، ولما دعى معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، فقال له عمرو بن العاص: لقد أنصفك! فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم !! أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي...).



(1) سورة التوبة، الآية: 111.

(2) البحار ـ ج6.

(3) البحار ـ ج9.

(4) سورة التوبة، الآيتان: 25 و26.
avatar
مهند المسيباوي
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً

ذكر عدد الرسائل : 75
الموقع : mohanad.iraq12@hotmail.com
العمل/الترفيه : mohanad.iraq12@hotmail.com
المزاج : يعني اضحك
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohanad.iraq12@hotmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى