الليلة الخامسة للمام علي (ع)اقتران النورين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الليلة الخامسة للمام علي (ع)اقتران النورين

مُساهمة  مهند المسيباوي في الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 14:44

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على رسول الله وعلى آله آل الله.

قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم)(1).

النكاح من سنن الله تعالى في عباده، والمقصود منه التناسل والتكاثر تحت ظل القانون الإلهي، وليس الهدف منه إشباع الغريزة الجنسية فقط بل هو في ضمنه وإنما هو كالحصن يحفظ الإنسان من فساد الخلاعة وويلات الفجور.

والهدف الأسمى من النكاح هو: تأسيس بيت عائلي لتكوين جيل يربط الوالدين بتقبل المسؤوليات التي يتطلبها الجيل من بدو إيجاده إلى أن يقطع أدوار الحياة، وأطوارها من جنين ووليد ورضيع وفطيم وصبي وغلام ومراهق وشاب ويافع، أو بنت وشابة وفتاة وامرأة.

فالنسل بحاجة ماسة ـ في أدواره ـ إلى الكفيل والمربي والمنفق والمؤدب والولي، إلى جانب حاجته إلى الرضاعة والحضانة والتربية والعناية والخدمة وتأمين لوازم الحياة من المأكل والملبس والمسكن والتعليم وما شابه ذلك.

ولا يندفع أحد إلى تحمل هذه المسؤوليات كما يندفع الوالدان، ولا أظن أني أحتاج في هذا البحث إلى إقامة الدليل والبرهان.

فهل تكون المرضعة كالأم؟، وهل الموظفات في دور الحضانة والروضات يسهرن الليالي للطفل المريض كما تسهر الأم الحنون؟؟ وقد قيل: ليست الثكلى كالمستأجرة، فهناك فرق كبير وبون شاسع بين من يندفع للعناية والرعاية بالأطفال بدافع الأبوة والعاطفة والمحبة التي لا يكدرها شيء، وبين من يتحمل مسؤولية بدافع الراتب والوظيفة.

وإدراك أهمية هذا الموقف كثيراً ما يحول بين الوالدين وبين إجابة رغبات الأولاد وتحقيق هواياتهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالارتباط بالعائلة يدفع الإنسان إلى التفكير حول تأمين حياته والخوض في معركة العمل المثمر والإنتاج المفيد، وفي الوقت نفسه يردعه عن كل مجازفة تهدد كيانه وحريته وتعرقل عليه المساعي كالإقدام على جريمة القتل أو ارتكاب الجنايات التي تؤدي إلى شقاء الوالدين.

وإن هذه الأحزاب والمبادئ ـ التي استولت على الشباب واستنزفت منهم كل نشاط وطاقة ـ لم تنجح إلا بعد أن تقهقرت سنة الزواج بين المسلمين، وكثر عدد العزاب والبطالين الذين لا تربطهم بالحياة البيتية والعائلية أية رابطة أو مسؤولية، ولعل الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) يشير إلى هذا الموضوع حيث قال (عليه السلام): من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر.

هذا والبحث طويل والكلام يحتاج إلى تفصيل، وقد ذكرنا هذه المقدمة لحديثنا العذب في هذه الليلة.

العراقيل والمشاكل التي سدت على شبابنا طرق الزواج وجعلتهم يهابون النكاح ولا يهابون السفاح، ويفضلون الكبت والضغط (على غرائزهم) أو يرجحون الفساد والمجون على انتخاب زوجة تشاركهم حلو الحياة ومرها وأفراحها وأتراحها.

هذه العراقيل كانت موجودة في الجاهلية ولكن بصورة أخرى.

كغلاء المهر والعصبيات القبلية وما شاكلها، فتكونت عندهم الأزمات بجميع أقسامها، واشتدت الحالة حتى أدت إلى دفن البنات وهن في قيد الحياة، قال تعالى: (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت)(2) وقال عز وجل: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)(3).

فكان من جملة الخطوات الإصلاحية التي قام بها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) هو القضاء على هذه العادات الجهنمية والتقاليد الجاهلية، وإلى هذه الناحية أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(4).

ولم يكتف الرسول الأقدس (صلّى الله عليه وآله) بمكافحة هذه السيئات ن طريق اللسان، فالكلام وحده لا يجدي، وإنما قام الرسول بفك هذه الأغلال عن طريق العمل.

فمن جملة ذلك: أنه زوج ابنته الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأبسط ما يمكن، وتجسم التساهل في ذلك الزواج المبارك بخفة المؤونة وانتهاء الأمر بكل بساطة بعيداً عن التكاليف المجهدة المتعبة التي يفر من شبحها الشباب المغلول بسلاسل التقاليد ويفضل العزوبة على الزواج المقرون بالمشاكل، وإليكم الواقعة:

لما أدركت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدرك النساء خطبها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام، والشرف والمال، وكان كلما ذكرها رجل من قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أعرض عنه رسول الله بوجهه، حتى كان الرجل منهم يظن ـ في نفسه ـ أن رسول الله فيه وحي من السماء.

ولقد خطبها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبو بكر، فقال له رسول الله: أمرها إلى ربها، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطاب، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كمقالته لأبي بكر.

فجاء أبو بكر وسعد بن معاد إلى علي (عليه السلام) وهو خارج المدينة يسقي نخلاً له، وسألاه عما يمنعه عن خطبة فاطمة (عليها السلام) فقال لهما علي: ما يمنعني إلا الحياء وقلة ذات اليد (المال) فقال له سعد: اذهب إلى رسول الله واخطب منه فاطمة، فإنه يزوجك، والله ما أرى رسول الله يحبسها إلا عليك.

فقال علي: فأقول ماذا؟ فقال سعد: تقول: جئت خاطباً إلى الله ورسوله فاطمة بنت محمد.

فأقبل علي (عليه السلام) يقصد دار النبي، وهبط جبرائيل على الرسول وأخبره بمجيء علي، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في دار أم سلمة، فدق علي الباب، فقالت أم سلمة: من بالباب؟ فقال لها الرسول ـ من قبل أن يقول علي: أنا ـ : قومي يا أم سلمة فافتحي له الباب، ومريه بالدخول، فهذا رجل يحبه الله ورسوله ويحبهما.

فقالت أم سلمة: فداك أبي وأمي، ومن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره؟ فقال: مه يا أم سلمة، فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق(5) هذا أخي وابن عمي وأحب الخلق إلي.

فقامت أم سلمة وفتحت الباب وإذا هو علي بن أبي طالب قالت أم سلمة: والله ما دخل حين فتحت الباب حتى علم أني رجعت إلى خدري، ثم دخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.

فقال النبي: وعليك السلام اجلس.

فجلس علي، وجعل ينظر إلى الأرض، كأنه قصد لحاجة وهو يستحي أن يبديها، فهو مطرق إلى الأرض حياء من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال النبي: إني أرى أنك أتيت لحاجة، فقل ما حاجتك؟ وأبد ما في نفسك فكل حاجة لك مقضية.

فقال علي (عليه السلام): فداك أبي وأمي، إنك لتعلم أنك أخذتني من عمك أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي، فغذيتني بغذائك وأدبتني بأدبك، فكنت إلي أفضل من أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد في البر والشفقة، وأن الله تعالى هداني بك وعلى يديك وأنت (والله) يا رسول الله ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة.

يا رسول الله: فقد أحببت ـ مع ما شد الله من عضدي بك ـ أن يكون لي بيت وأن يكون لي زوجة أسكن إليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً، أخطب إليك ابنتك فاطمة! فهل أنت مزوجي يا رسول الله؟ فتهلل وجه رسول الله فرحاً وسروراً، ثم تبسم في وجه علي وقال: فهل معك شيء أزوجك به؟ فقال علي: فداك أبي وأمي، والله ما يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي وناضحي (البعير الذي يحمل عليه الماء) وما لي شيء غير هذا.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا علي أما سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهد به في سبيل الله وتقاتل به أعداء الله.

وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك ولكني قد زوجتك بالدرع، ورضيت بها منك.

يا علي أبشرك؟.

فقال: نعم فداك أبي وأمي، بشرني فإنك لم تزل ميمون النقيبة، مبارك الطائر، رشيد الأمر، صلى الله عليك.

فقال (صلّى الله عليه وآله): ابشر فإن الله قد زوجكها في السماء من قبل أن أزوجك في الأرض.. إلى آخر كلامه.

ثم قال: يا علي إنه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها فرأيت الكراهة في وجهها ولكن على رسلك حتى أخرج إليك فدخل عليها فقامت فأخذت رداءه ونزعت نعليه وأتته بالوضوء فوضئته بيدها وغسلت رجليه ثم قعدت فقال لها: يا فاطمة فقالت: لبيك ما حاجتك يا رسول الله؟ قال: إن علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه وإني قد سألت ربي أن يزوجك خير خلقه وأحبهم إليه وقد ذكر عن أمرك شيئاً فما ترين؟ فسكتت ولم تول وجهها ولم ير فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كراهة، فقام وهو يقول: الله أكبر، سكوتها إقرارها، فمضى علي إلى المسجد، وجاء رسول الله في أثره، وفي المسجد المهاجرون والأنصار، فصعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على درجة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: معاشر المسلمين إن جبرائيل أتاني آنفاً فأخبرني عن ربي عز وجل أنه جمع الملائكة عند البيت المعمور وأنه أشهدهم جميعاً أنه زوج أمته فاطمة بنت رسول الله من عبده علي بن أبي طالب، وأمرني أن أزوجه في الأرض وأشهدكم على ذلك، ثم جلس وقال لعلي: قم يا أبا الحسن فاخطب أنت لنفسك: فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال: الحمد لله شكراً لأنعمه وأياديه، ولا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله عز وجل به ورضيه، ومجلسنا هذا مما قضاه الله وأذن فيه، وقد زوجني رسول الله ابنته فاطمة، وجعل صداقها درعي هذا وقد رضيت بذلك فاسألوه واشهدوا.

فقال المسلمون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): زوجته يا رسول الله؟ فقال: نعم.

فقالوا بارك الله لهما شملهما.

وانصرف رسول الله إلى أزواجه وأقبل فقال: يا علي انطلق الآن فبع درعك وائتني بثمنه حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما قال علي: فانطلقت فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية وقيل بأربعمائة وثمانين أو خمسمائة من عثمان بن عفان فلما قبضت الدراهم أقبلت إلى رسول الله وطرحت الدراهم بين يديه، فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأبي بكر فدفعها إليه وقال: اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، وبعث معه سلمان وبلالاً ليعيناه على حمل ما يشتريه، قال أبو بكر: أحصيت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهماً فانطلقت واشتريت فراشاً من خيش مصر محشواً بالصوف، ونطعاً من أدم، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء، وكيزاناً، وجراراً، ومطهرة للماء، وستر صوف، رقيقاً وحملناه جميعاً حتى وضعناه بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلما نظر إليه بكى، وجرت دموعه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف! قال علي: ودفع رسول الله باقي ثمن الدرع إلى أم سلمة فقال: اتركي هذه الدراهم عندك.

ومكثت بعد ذلك شهراً لا أعاود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمر فاطمة بشيء استحياء من رسول الله غير أني كنت إذا خلوت برسول الله يقول لي: يا أبا الحسن ما زوجتك سيدة نساء العالمين.

قال علي: فلما كان بعد شهر دخل علي أخي عقيل بن أبي طالب فقال: يا أخي ما فرحت بشيء كفرحي بتزويجك فاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله)، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدخلها عليك فتقر عيناً باجتماع شملكما؟ قال علي: والله يا أخي إني لأحب ذلك وما يمنعني من مسألته إلا الحياء منه، فقال: أقسمت عليك إلا قمت معي.

فقمنا نريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلقيتنا في طريقنا أم أيمن مولاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فذكرنا ذلك لها فقالت لا تفعل ودعنا نحن نكلمه، فإن كلام النساء في هذا الأمر أحسن وأوقع بقلوب الرجال.

ثم انثنت راجعة فدخلت على أم سلمة فأعلمتها بذلك وأعلمت نساء النبي فاجتمعن عند رسول الله وكان في بيته عائشة فأحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله قد اجتمعنا لأمر لو أن خديجة في الأحياء لقرت بذلك عينها.

قالت أم سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم قال: خديجة! وأين مثل خديجة؟ صدقتني حين كذبني الناس وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها!! إن الله عز وجل أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب الزمرد، لا صخب فيه ولا نصب.

قالت أم سلمة فقلنا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله إنك لم تذكر من خديجة أمراً إلا وقد كانت كذلك، غير أنها قد مضت إلى ربها فهنأها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في درجات جنته ورضوانه ورحمته، يا رسول الله وهذا أخوك في الدنيا وابن عمك في النسب علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحب أن تدخل عليه زوجته فاطمة تجمع بها شمله.

فقال: يا أم سلمة فما بال علي لا يسألني ذلك؟ فقلت: الحياء منك يا رسول الله.

قالت أم أيمن: فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): انطلقي إلى علي فآتيني به، فخرجت من عند رسول الله، فإذا علي ينتظرني، ليسألني عن جواب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وحضر علي (عليه السلام) عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): هيئ منزلاً حتى تحول فاطمة إليه، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله ما هاهنا منزل إلا منزل حارثة بن النعمان وكان لفاطمة (عليها السلام) يوم بنى بها أمير المؤمنين (عليه السلام) تسع سنين، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): والله لقد استحينا من حارثة بن النعمان قد أخذنا عامة منازله.

فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شيء أحب إلي مما تأخذه والذي تأخذه أحب إلي مما تتركه، فجزاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خيراً، فحولت فاطمة إلى علي (عليه السلام) في منزل حارثة، وبسطوا في بيت علي كثيباً (الرمل)، ونصبوا عوداً يوضع عليه السقاء (القربة) وستروه بكساء ونصبوا خشبة من حائط إلى حائط للثياب وبسط جلد كبش ومخدة ليف.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): يا علي اصنع لأهلك طعاماً فاضلاً، فجاء أصحابه بالهدايا، فأمر النبي فطحن البر (الحنطة) وخبز، وذبح الكبش واشترى علي تمرأ وسمناً، وأقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه، وجعل يشدخ التمر في السمن فقال النبي: يا علي ادع من أحببت.

قال علي: فأتيت المسجد وهو غاص بالناس، فناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة بنت محمد، فأجابوا من النخلات والزروع، وأقبل الناس إرسالاً وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، وساير نساء المدينة، ورفعوا منها ما أرادوا، ولم ينقص من الطعام شيء، ثم دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالصحاف (الأواني) فملئت، ووجه بها إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفة، وقال: هذه لفاطمة وبعلها.

(عن ابن بابويه): أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة سلام الله عليها وأن يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضي الله.

قال جابر: فأركبها على ناقته ـ وفي رواية على بغلته الشهباء ـ وأخذ سلمان زمامها والنبي وحمزة وعقيل وجعفر وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم ونساء النبي (صلّى الله عليه وآله) قدامها يرجزن، فأنشأت أم سلمة تقول:

سرن بعــــــون الله جاراتـــي واشكرنه فــــي كــــــل حالات

واذكــرن ما أنعـــم رب العـلا مــــن كشف مكــــــروه وآفات

فـقــد هـدانا بعد كفـر وقـــــد أنعشـــــــنا رب السمـــــــاوات

وسرن مـع خير نساء الورى تفــــــدى بعمـــــات وخــــالات

يا بنت مــــن فـضله ذو العلا بالوحـــي منـــه والرســــــالات

وقالت عائشة:

يا نسوة استتـــرن بالمعاجــر واذكرن ما يحسن في المحاضر

واذكرن رب الناس إذ يخصـنا بـــدينـــه مع كل عـبـــد شاكـــر

والحمـــد لله علـــى أفـضالـــه والشكـــر لله العـزيـــز القــــادر

سرن بها فالله أعـطــى ذكرها وخصها منــــه بطهـــر طاهـــر

وقالت حفصة:

فاطمـــة خيـــر نساء البشــر ومــن لها وجــــه كوجه القـمر

فــضلك الله عـلــى كل الورى بفـضل مـــن خص بآي الزمـــر

زوجــــك الله فـتــى فاضــــلاً أعـنـي علياً خير من في الحضر

فـســرن جاراتـــي بها فإنهــا كريمـــة بنت عـظيــــم الخطـــر

وقالت معاذة أم سعد بن معاذ:

أقـــول قـــولاً فـيـــه ما فـيــه وأذكـــــر الخـيـــــر وأبديـــــه

محمــــد خيــــــر بنــــــي آدم ما فـيـــه مــــن كـبـــر ولا تيه

بفـضلـــه عـــــرفـنا رشــــدنا فالله بالخيـــــــــر يجازيـــــــــه

ونحــن مع بنت نبــي الهــدى ذي شـــرف قـــد مكــنت فـيــه

فــــي ذروة شامخـة أصـــلها فـما أرى شيئـــــــــاً يدانيــــــه

وكانت النسوة يرجعن أول بيت من كل رجز ثم يكبرن ودخلن الدار ثم أنفذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) ثم دعا فاطمة سلام الله عليها فأخذ يدها ووضعها في يده وقال: بارك الله في ابنة رسول الله.

يا علي: نعم الزوجة فاطمة ويا فاطمة نعم الزوج علي، ثم قال: يا علي هذه فاطمة وديعتي عندك، ثم قال النبي (صلّى الله عليه وآله): اللهم اجمع شملهما، وألف بين قلوبهما، واجعلهما وذريتهما من ورثة جنة النعيم، وارزقهما ذرية طاهرة طيبة مباركة، واجعل في ذريتهما البركة واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك ويأمرون بما يرضيك، اللهم إنهما أحب خلقك إلي، فأحبهما واجعل عليهما منك حافظاً وإني أعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم.

ثم خرج إلى الباب وهو يقول: طهركما وطهر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكما، وحرب لمن حاربكما، أستودعكما الله، وأستخلفه عليكما.

وباتت أسماء عندهما في البيت، وأصبح الصباح، وجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى زيارة العروسين، وقال: السلام عليكما، أأدخل؟ ففتحت أسماء الباب فدخل النبي، فسأل علياً (عليه السلام): كيف وجدت أهلك؟ قال: نعم العون على طاعة الله، وسأل فاطمة فقالت: خير بعل، وجاء النبي بعس (قدح) فيه لبن فقال لفاطمة: اشربي فداك أبوك، وقال لعلي: اشرب فداك ابن عمك.

ثم قال (صلّى الله عليه وآله): يا علي آتيني بكوز من ماء، فجاء علي بكوز من ماء فتفل فيه ثلاثاً، وقرأ عليه آيات من كتاب الله تعالى ثم قال: يا علي اشربه، واترك فيه قليلاً ففعل علي ذلك.

فرش النبي (صلّى الله عليه وآله) باقي الماء على رأسه وصدره، ثم قال: أذهب الله عنك الرجس يا علي وطهرك تطهيراً.

وأمره بالخروج من البيت وخلي بابنته فاطمة وقال: كيف أنت يا بنية؟ وكيف رأيت زوجك؟ قالت: يا أبه خير زوج إلا أنه دخل علي نساء من قريش وقلن لي: زوجك رسول الله من فقير لا مال له.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يا بنية ما أبوك بفقير، ولا بعلك بفقير.

ولقد عرضت علي خزائن الأرض من الذهب والفضة فاخترت ما عند ربي عز وجل، يا بنية لو تعلمين ما علم أبوك لسمحت الدنيا في عينيك، والله يا بنية ما ألوتك نصحاً، إني زوجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً، يا بنية إن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار من أهلها رجلين فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك.

يا بنية نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمراً(6).
avatar
مهند المسيباوي
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً

ذكر عدد الرسائل : 75
الموقع : mohanad.iraq12@hotmail.com
العمل/الترفيه : mohanad.iraq12@hotmail.com
المزاج : يعني اضحك
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohanad.iraq12@hotmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى