الواقع التأريخ قبل الصلح بين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الواقع التأريخ قبل الصلح بين

مُساهمة  مهند المسيباوي في الثلاثاء 9 فبراير 2010 - 9:20

كان صلح الحسن عليه السلام مع معاوية، من أشد ما لقيه أئمة أهل البيت من هذه الأمة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم.

لقي به الحسن (عليه السلام) محناً يضيق بها الوسع، لا قوة لأحد عليها ألا باللّه عز وجل. لكنه رضخ لها صابراً محتسباً، وخرج منها ظافراً بما يبتغيه من النصح للّه تعالى، ولكتابه عز وجل، ولرسوله، ولخاصة المسلمين وعامتهم، وهذا الذي يبتغيه ويحرص عليه في كل ما يأخذ أو يدع من قول أو فعل.

ولا وزن لمن اتهمه بأنه أخلد بصلحه إلى الدعة، وآثر العافية والراحة، ولا لمن طوحت بهم الحماسة من شيعته فتمنوا عليه لو وقف في جهاد معاوية فوصل إلى الحياة من طريق الموت، وفاز بالنصر والفتح من الجهة التي انطلق منها صنوة يوم ألطف إلى نصره العزيز، وفتحه المبين.

ومن الغريب بقاء الناس في عشواء غماء من هذا الصلح إلى يومهم هذا، لا يقوم أحد منهم في بيان وجهة الحسن في صلحه بمعالجة موضوعية مستوفاة ببيانها وبيناتها، عقلية ونقليه .

أن أحوال الحسن ومعاوية، علم إنهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالاً، وانما كانا في جبهتيهما خليفتين، استخلفهما الميراث على خلقين متناقضين: فخلق الحسن إنما هو خلق الكتاب والسنة، وان شئت فقل خلق محمد وعلي. وأما خلق معاوية فإنما هو خلق «الأموية»، وان شئت فقل: خلق أبي سفيان وهند، على نقيض ذلك الخلق ,والمتوسع في تاريخ البيتين وسيرة أبطالهما من رجال ونساء يدرك ذلك بجميع حواسه.

في الموقف السياسِي قبل البيعة

كان الحدث الأكبر في تاريخ الإسلام هو وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانقطاع ذلك الإشعاع السماوي الذي كان يفيض على الدنيا كلها بالخير، فإذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. وانقطعت الأرض بموت رسول اللّه (ص) عن السماء، اذ كان الوحي هو بريدها إلى الأرض وأداة صلتها بها. وهل للارض غنى عن السماء، وفي السماء رزقها ومنها خيرها وحياتها وحيويتها ونورها ودينها. وما كان أشد من هذه الوحشة على الدنيا، ولا أفدح من هذه الخسارة على المسلمين، لو انه كان - ونعوذ باللّه -انقطاعاً باتاً وانفصالاً نهائياً. ولكن رسول اللّه (ص) أدرك ما سيمتحن به المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فأخبرهم بان حبلاً واحداً سيبقى متصلاً بينهم وبين السماء. وهل حبل أولى بالتمسك من حبل السماء وقد انقطع الوحي، قال: «اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(1).

ان موقف المجتمع من عترة النبي (ص)، او موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل للمجتمع، لينظر فيما خلفوا رسول اللّه في عترته وإذا كانت العترة عشيرة الرجل، فعلي أبرز رجالها بعد رسول اللّه، واذا كانت ذريته، فالحسن كبير عترة النبي من بعده. وتجيز اللغة إطلاق العترة على الصنفين - العشيرة والذرية – معاً, نعم انه قدّر لهذا المجتمع، ان ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور الفاجعة العظمى بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، حين تأول قوم فان ساحوا إلى تأو لاتهم، وتعبّد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم، وللنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة أنهم نظروا إلى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول اللّه (ص) للكتاب وللعترة من بعده، في حديثه هذا وفي نظائره الكثيرة من الأحاديث الأخرى، نظرتهم السياسية التي لا تعني الإنكار على رسول اللّه، ولكنها تهدف - قبل كل شيء - إلى «المصلحة» فيما يرون، ورأوا ان وجوب أطاعة الأوامر النبوية في الموضوعات السياسية، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن. فان صادقوا على ما أراده النبي فذاك، وألا فليكن ما أرادوا هم.

وهكذا زويت الخلافة عن العترة. وهكذا صار من الممكن وربما من المستحسن لدى فريق عظيم من مسلمة محمد (صلى اللّه عليه وآله)، ان يصبح معاوية أيضاً ممن ينازع على خلافة الاسلام ويطلبها لنفسه، ويحتج عليها بالسن ايضاً، ويصادق عليها الشيوخ المسنون ايضاً كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وابي هريرة الدوسي. ولم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام، الاولى من نوعها، ولكنها كانت تمتد بجذورها الى عهد أقدم، والى تصالح وتعاون أسبق، ومن طراز أسمى.

ولم يبق مخفياً ان الحجر الاساسي لهذا التدهور غير المنتظر، كان هو الذي بني هناك في المدينة المنورة، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة وحسبوا انهم أحسنوا صنعاً للاسلام وللمصلحة العامة بفصلهم الخلافة عن بيت النبوة، وبما فسحوا المجال لبيوتات اخرى، تتعاون - بدورها - على غزو المنصب الديني الأعلى، أبعد ما يكون بطبيعته عن مجالات الغزو والغلبة والاستيلاء بالقوة والعنف.وخفي عليهم ما كان يحتاط به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لامته ولعترته، حين سجل الخلافة في بيته.

وجاءت الاحداث - بعد ذلك - فنبهت العقول الواعية الى اخطاء القوم وصواب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله.

فكانت «عملية الفصل» هذه، هي مثار الخلافات التاريخية الحمر، بين عشاق الخلافة في مختلف الاجيال، ومبعث مآسٍ فظيعة في المسلمين، ومصدر انعكاسات مزرية في مثالية الاسلام، كان المسلمون في غنى عنها لو قدّر للخلافة - من يومها الاول - ان تأخذ طريقها اللاحب الذي لا يجوز فيه اجتهاد، ولا تمسه سياسة، ولا يتصرف فيه احد غير اللّه ورسوله.

«وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا».

وهل كان التناحر والتطاحن المديد العمر المتوارث مع الأجيال فيما بين الأسر البارزة في المسلمين، الا نتيجة فسح المجال لهذا او ذاك في الطماح الى غزو المقام الرفيع.

وهل كانت المجازر الفظيعة التي جابهها المسلمون في الفترات المختلفة من تاريخ الاسلام: بين بني هاشم وبني امية: وبين بني الزبير وبني امية: وبين بني العباس وبني امية: وبين بني علي وبني العباس... الا النتيجة المباشرة لفصم ذلك التقليد الديني الذي احتاط به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، ليكون حائلاً دون امثال هذه المآسي والاحداث المؤسفة في الاسلام.

وهل كانت «فجائع العترة» الفريدة من نوعها - بالقتل والصلب والسبي والتشريد - الا اثر الخطأة الاولى، التي خولفت بها سياسة النبي (ص) فيما اراده لامته ولعترته، وفيما حفظ به امته وعترته جميعاً، لو انهم اطاعوه فيما اراد.

ولكنهم جهلوا مغزى هذه السياسة البعيدة النظر، فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، انصهاراً بسياسة اخرى.

وكانت هي المعذرة الظاهرة التي لم يجدوا غيرها معذرة يبوحون بها للناس. اما معذرتهم الباطنة، فلا يعلم بها الا العالم ببواطن الامور وهي على الاكثر لا تعدو الذكريات الدامية في حروب الدعوة الاسلامية، أو الحسد الذي «يأكل الدين كما تأكل النار الحطب» - كما في الحديث الشريف -.

وكان حب الرياسة وشهوة الحكم، شر أدواء الناس وبالاً على الناس، وأشدها استفحالاً في طباع الاقوياء من زعماء ومتزعمين.

وما النبوة ولا الإمامة بما هما - منصب إلهي - من مجالات السياسة بمعناها المعروف، وكل سياسة في النبوة أو في شيء من ذيولها الادارية، فهو دين والى الدين. والمرجع الوحيد في كل ذلك، هو صاحب الدين نفسه، وكلمته هي الفصل في الموضوع.

ولكي تتفق معي على مسيس اتصال هذه المناسبة بموضوعنا اتصالاً وشيجاً، عليك ان تتطلع الى اللغة المتظلمة الناقمة التي ينكشف عنها الحسن بن علي عليهما السلام في هذا الشأن، بما كتبه الى معاوية، ابان البيعة له في الكوفة. قال:

«فلما توفي - يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم - تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم ان تنازعونا سلطان محمد وحقه. فرأت العرب ان القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم في امر محمد. فأنعمت لهم وسلمت إليهم، ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش أنصاف العرب لها. أنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه الى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومرغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد اللّه وهو الولي النصير.

«ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان بيتنا. واذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخافة على الدين ان يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من إفساده.

«فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وانت ابن حزب من الاحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه وتعلم لمن عقبى الدار !!»(2).

وهكذا نجد الحسن عليه السلام، يعطف - بالفاء - عجبه من توثب معاوية على تعجبه لتوثب الاولين عليهم في حقهم وسلطان بيتهم. ومن هنا تنبثق مناسبة اتصال قضيته بقضايا الخلائف السابقين، وتنبثق معها مناسبات اخرى. بعضها للاخوين. وبعضها للابوين. وبعضها للحق العام.

والحسن من علي (عليهما السلام) كبير ولده، وولي عهده، وشريك سرائه وضرائه، يحس بحسّه ويألم بألمه. وهو - اذ ذاك - على صلة وثيقة بالدنيا التي أحاطت بابيه من قومه ومن رعيّته ومن أعدائه، فهو لا يجهلها ولا يغفل عنها، وكان ينطوي ممّا يدور حوله على شجي مكتوم، يشاركه فيه أخوه كما يشاركه في اخوّته. وكان هذا الشجي المكتوم، هو الشيء الظاهر مما خلف به هؤلاء المسلمون - يومئذ - نبيَّهم في عترته، جواباً على قوله (ص) لهم: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما !!».

وكان الحسن عليه السلام، اذ ينطوي على هذا الشجى، لا يلبث ان يستروح الامل - أحياناً - بما يجده في صحابة أبيه البهاليل من النجدة والحيوية والمفاداة وشمائل الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة طمع في دنيا، ولا شائبة هوى في سياسة.

ومن هؤلاء، القواد العسكريون، والخطباء المفوّهون. والفقهاء والقراء والصفوة الباقية من بناة الاسلام. كانوا - بجدارة - العدة التي يستند عليها امير المؤمنين، في حربه وسلمه. وكانوا - بحق - دعامة العهد الهاشمي فيما تعرض له هذا العهد، من زلازل وزعازع وإخطار.

كانوا المسلمين الذين وفوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، فيما واثقوه عليه في ذريته، بأن يمنعوهم بما يمنعون به انفسهم وذرا ريهم. فلم لا يستروح الحسن بهم روائح الامل لقضية ابيه، بل لقضية نفسه.

وكانوا المؤمنين الذين آمنوا بكلمات اللّه في اهل بيت نبيهم وذوي قرباه وآمنوا بوصيّ نبيهم، وبمراتبه التي رتبها اللّه له أو رتّبه لها. وفهموا علياً كما يجب أن يفهم. وعليٌّ هو ذلك البطل الذي لم يحلم المسلمون بعد رسول اللّه (ص) بمثله، اخلاصاً في الحق، وتفادياً في الإسلام، ونصحاً للمسلمين، واستقامة على العدل، واتساعاً في العلم. ولن ينقص علياً في كبرياء معانيه، جحود الآخرين فضائله ومميزاته، ولهؤلاء الآخرين من مطامعهم وأهوائهم شغل شاغل يملأ فراغ نفوسهم. وما في ملاكات علي عليه السلام متسع للاهواء والمطامع. فليكن هؤلاء - دائماً - في الملاكات البعيدة عن علي، وليكونوا في المعسكر الذي يقوم على المساومة بالمال والولايات..

وليكن مع علي زمرته المنخولة تلك، المسلمة اسلامها الصحيح امثال عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللّه وعبد الرحمن ابني بديل، ومالك بن الحارث الاشتر، وخباب بن الارت، ومحمد بن ابي بكر، وابي الهيثم بن التيهان، وهاشم بن عتبة ابن ابي وقاص (المرقال)، وسهل بن حنيف، وثابت بن قيس الانصاري، وعقبة بن عمرو، وسعد بن الحارث بن الصمة، وابي فضالة الانصاري، وكعب بن عمرو الانصاري، وقرضة بن كعب الانصاري، وعوف بن الحارث بن عوف، وكلاب بن الاسكر الكناني، وابي ليلى بن بليل.... واضراب هؤلاء من قادة الحروب وأحلاس المحاريب، الذين انكروا الظلم، واستعظموا البدع، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وتسابقوا الى الموت في سبيل اللّه، استباق غيرهم الى المطامع في سبيل الدنيا.

ومن الخير، أن ننبّه هنا، الى ان جميع هذه الصفوة المختارة كانت قد استشهدت في ميادين علي عليه السلام، وان ثلاثاً وستين بدرياً استشهد معهم في صفين وحدها، وان أضعاف هذه الاعداد كانت خسائر الحروب المتعاقبة مدى ثلاث سنوات.

فما ظنك الآن، بذلك الامل الذي كان يداعب الحسن عليه السلام بوجود الانصار، وهل بقي للحسن - بعد هذا - الا الشجى المكتوم، مضاعفاً على تضاعيف الايام.

اما معسكر علي عليه السلام، فقد نكب نكبته الكبرى، حين أصحر من خيرة رجالاته، ومراكز الثقل فيه.

واما دنيا علي عليه السلام، فقد عادت لسقيا الغصص وشرب الرنق - على حد تعبيره هو فيما ندب به أصحابه عند مصارعهم -

وتلفّت عليّ الى آفاقه المترامية التي تخضع لامره، فلم يجد بين جماهيرها المتدافعة، من ينبض بروح اولئك الشهداء، أو يتحلى بمثل مزاياهم، اللهم الا النفر الاقل الذي لا يناط به أمل حرب ولا أمل سلم ولولا قوة تأثيره في خطبه، وعظيم مكانته في سامعيه، لما تألف له - بعد هؤلاء - جيش، ولا قامت له بعدهم قائمة.

وهكذا أسلمته ظروفه لان يكون هدف المقاطعة من بعض، وهدف العداء المسلح من آخرين، وهدف الخذلان الممقوت من الاتباع (فلا اخوان عند النجاء، ولا أحرار عند النداء).

وأيّ حياة هذه التي لا تحفل بأمل، ولا ترجى لنجاح عمل. وقد أزمع فيها الترحال عباد اللّه الاخيار، الذين باعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى، بكثير من الآخرة لا يفنى.

فسُمِعَ وهو يقول (اللهم عجل للمراديّ شقاءه) وسُمِعَ وهو يقول (فما يحبس أشقاها ان يخضبها بدم أعلاها)، وسُمِعَ وهو يقول (أما واللّه لوددت ان اللّه أخرجني من بين أظهركم وقبضني الى رحمته من بينكم).

وسلام عليه يوم وُلِد. ويوم سبق الناس إلى الإسلام. ويوم صنع الإسلام بسيفه. ويوم امتحن. ويوم مات. ويوم يبعث حياً.

وترك من بعده لولي عهده، ظرفه الزمنّي النابي، القائم على أثافيه الثلاث - فقر الأنصار. والعداء المسلَح. والمقاطعة الخاذلة.

وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه «الأموية». وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره إزاء خطر فظيع، يهدد الإسلام باسم الإسلام، ويطغى على نور الحق باسم الحق، فكانا في دفع هذا الخطر، أمام أمرين لا ثالث لهما: إما المقاومة، وإما المسالمة. وقد رأيا أن المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة الى فناء هذا الصف المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى اللّه عزّ وجل، والى صراطه المستقيم. اذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه وبالهاشميين وأوليائهم، فواجه بهم القوة التي لا قبل لهم بها مصمماً على التضحية، تصميم أخيه يوم «الطف» لانكشفت المعركة عن قتلهم جميعاً، ولانتصرت «الاموية» بذلك نصراً تعجز عنه امكانياتها، ولا تنحسر عن مثله أحلامها وأمنياتها. اذ يخلو بعدهم لها الميدان، تمعن في تيهها كل امعان، وبهذا يكون الحسن - وحاشاه - قد وقع فيما فر منه على أقبح الوجوه، ولا يكون لتضحيته أثر لدى الرأي العام الا التنديد والتفنيد.

ومن هنا رأى الحسن عليه السلام أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو اليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح، أن لا يعدو الكتاب والسنة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه ومقوية سلطانه، وأن لا يطلب أحداً من الشيعة بذنب أذنبه مع الاموية، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن. الى غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالماً بأن معاوية لا يفي له بشيء منها وأنه سيقوم بنقائضها.

هذا ما أعده عليه السلام لرفع الغطاء عن الوجه «الاموي» المموّه، ولصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائفة، ليبرز حينئذ هو وسائر أبطال «الاموية» كما هم جاهليين، لم تخفق صدورهم بروح الإسلام لحظة، ثأريين لم تنسهم مواهب الإسلام ومراحمه شيئاً من أحقاد بدر واُحد والأحزاب.

وبالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بد، أملاه ظرف الحسن، اذ التبس فيه الحق بالباطل، وتسنى للطغيان فيه سيطرة مسلحة ضارية.

ما كان الحسن ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من ارثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه. فهو كغيره من أئمة هذا البيت، يسترشد الرسالة في اقدامه وفي احجامه. امتحن بهذه الخطة فرضخ لها صابراً محتسباً وخرج منها ظافراً طاهراً، لم تنجسه الجاهلية بأجناسها، ولم تلبسه من مدلهمان ثيابها.

أخذ هذه الخطة من صلح «الحديبية» فيما أثر من سياسة جده صلى اللّه عليه وآله وسلم، وله فيه أسوة حسنة، اذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه، كما أنكر على الحسن صلح «ساباط» بعض الخاصة من أوليائه، فلم يهن بذلك عزمه، ولا ضاق به ذرعه.

وقد ترك هذه الخطة نموذجاً صاغ به الائمة التسعة - بعد سيدي شباب أهل الجنة - سياستهم الحكيمة، في توجيهها الهادئ الرصين، كلما اعصوصب الشر. فهي اذاً جزء من سياستهم الهاشمية الدائرة أبداً على نصرة الحق، لا على الانتصار للذات فيما تأخذ او تدع.

تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرس في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنى له به أن يلغم نصر الأموية ببارود الاموية نفسها. فيجعل نصرها جفاءاً، وريحاً هباءاً.

لم يطل الوقت حتى انفجرت اولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، اذ انضم جيش العراق الى لوائه في النخيلة. فقال - وقد قام خطيباً فيهم -: «يا أهل العراق، اني واللّه لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وانما قاتلتكم لاتأمر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وانتم كارهون !. ألا وان كل شيء اعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدميَّ هاتين !».

فلما تمت له البيعة خطب فذكر علياً فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فقال له الحسن: «على رسلك يا أخي». ثم قام عليه السلام فقال: «أيها الذاكر علياً! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدك عتبة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قديماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً !» فقالت طوائف من أهل المسجد: «آمين».

ثم تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكل ما يخالف الكتاب والسنة من كل منكر في الإسلام، قتلاً للإبرار، وهتكاً للإعراض، وسلباً للأموال، وسجناً للأحرار، وتشريداً للمصلحين، وتأييداً للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن العاص، وابن شعبة، وابن سعيد، وابن ارطأة، وابن جندب، وابن السمط، وابن الحكم، وابن مرجانة، وابن عقبة، وابن سمية الذي نفاه عن ابيه الشرعي عبيد، وألحقه بالمسافح أبيه أبي سفيان ليجعله بذلك أخاه، يسلطه على الشيعة في العراق، يسومهم سوء العذاب، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويفرقهم عباد يد، تحت كل كوكب، ويحرق بيوتهم، ويصطفي أموالهم، لا يألو جهداً في ظلمهم بكل طريق.

ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم ألطف، ويوم الحرة، ويوم مكة اذ نصب عليها العرادات والمجانيق !. هذه خاتمة أعمال معاوية، وإنها لتلاءم كل الملائمة فاتحة أعماله القاتمة.وبين الفاتحة والخاتمة تتضاغط شدائد، وتدور خطوب، وتزدحم محن، ما أدري كيف اتسعت لها مسافة ذلك الزمن، وكيف اتسع لها صدر ذلك المجتمع ؟ وهي - في الحق - لو وزعت على دهر لضاق بها، وناء بحملها، ولو وزعت على عالم لكان جديراً أن يحول جحيماً لا يطاق.

ومهما يكن من أمر، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة الحسن وتجلوها. وكان أهم ما يرمي اليه سلام اللّه عليه، أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد.وقد تم له كل ما أراد، حتى برح الخفاء، وآذن أمر الأموية بالجلاء، وبهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح اللّه بها الكتاب، وجعله فيها عبرة لأولي الألباب.

وقد كانا عليهما السلام وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.

فالحسن لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين أسخى منه بها في سبيل اللّه، وانما صان نفسه يجندها في جهاد صامت، فلما حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنيه، قبل ان تكون حسينية.

وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم ألطف لدى أولي الألباب ممن تعمق لان الحسن عليه السلام، أعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكارة في صورة مستكين قاعد.

وكانت شهادة «ألطف» حسنيه أولاً، وحسينية ثانياً، لان الحسن أنضج نتائجها، ومهد أسبابها كان نصر الحسن الدامي موقوفاً على جلوا الحقيقة التي جلاها - لاخيه الحسين - بصبره وحكمته، وبجلوها انتصر الحسين نصره العزيز وفتح اللّه له فتحه المبين,وكانا عليهما السلام كأنهما متفقان على تصميم الخطة: أن يكون للحسن منها دور الصابر الحكيم، وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد.

وقد وقف الناس - بعد حادثتي ساباط وألطف - يمعنون في الإحداث فيرون في هؤلاء الامويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الاسلام وأهله.

رأى الناس من هؤلاء الأمويين، قردة تنزو على منبر رسول اللّه، تكشِّر للأمة عن أنياب غول، وتصافحها بأيد تمتد بمخالب ذئب، في نفوس تدب بروح عقرب.

رأوا فيهم هذه الصورة منسجمة شائعة متوارثة، لم تخفف من شرها التربية الإسلامية، ولم تطامن من لؤمها المكارم المحمدية. فمضغ الأكباد يوم هند وحمزة، يرتقي به الحقد الأموي الأثيم، حتى يكون تنكيلاً بربرياً يوم ألطف، لا يكتفي بقتل الحسين، حتى يوطئ الخيل صدره وظهره. ثم لا يكتفي بذلك، حتى يترك عارياً بالعراء، لوحوش الارض وطير السماء، ويحمل رأسه ورؤوس الشهداء من آله وصحبه على أطراف الأسنة الى الشام. ثم لا يكتفي بهذا كله، حتى يوقف حرائر الوحي من بنات رسول اللّه على درج السبي !!!...

رأى الناس الحسن يسالم، فلا تنجيه المسالمة من خطر هذه الوحشية اللئيمة، حتى دس معاوية اليه السم فقتله بغياً وعدواناً. ورأوا الحسين يثور في حين أتيح للثورة الطريق الى أفهامهم تتفجر فيها باليقظة والحرية، فلا تقف الوحشية الأموية بشيء عن المظالم، بل تبلغ في وحشيتها أبعد المدى.

وكان من الطبيعي أن يتحرر الرأي العام على وهج هذه النار المحرقة منطلقاً إلى زوايا التاريخ وأسراره، يستنزل الاسباب من هنا وهناك بلمعان ويقظة، وسير دائب يدنيه الى الحقيقة، حقيقة الانحراف عن آل محمد، حتى يكون أمامها وجهاً لوجه، يسمع همسها هناك في الصدر الأول، وهي تتسار وراء الحجب والأستار، وتدبر الامر في اصطناع هذا «الداهية الظلوم الاموي» اصطناعاً يطفئ نور آل محمد، أو يحول بينه وبين الامة.

نعم أدرك الرأي العام بفضل الحسن والحسين وحكمة تدبيرهما كل خافية من أمر «الأموية» وأمور مسددي سهمها على نحو واضح.

أدرك - فيما يتصل بالأمويين - أن العلاقة بينهم وبين الإسلام إنما هي علاقة عداء مستحكم، ضرورة أنه إذا كان الملك هو ما تهدف أليه الأموية، فقد بلغه معاوية، وأتاح له الحسن، فما بالها تلاحقه بالسم وأنواع الظلم والهضم، وتتقصى الأحرار الإبرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم وتقتلع بذرتهم ؟ !...

وإذا كان الملك وحده هو ما تهدف إليه الأموية، فقد أزيح الحسين من الطريق، وتم ليزيد ما يريد، فما بالها لا تكف ولا تروعي، وإنما تسرف اقسي ما يكون الإسراف والإجحاف في حركة من حركات الإفناء على نمط من الاستهتار، لا يعهد في تاريخ الجزارين والبرابرة ؟؟..

ألمصادر :

(1) يلحظ هنا كتاب معاوية الى الحسن عليه السلام شرح النهج (ج 4 ص 13).

(2) ويراجع للتأكد تصريح معاوية نفسه فيما رواه المسعودي (ج 6 ص 78 - 79 هامش ابن الاثير). وبنى على ذلك كثير من شعرائنا القدامى قصائدهم العامرة. وهو ما عناه مهيار الديلمي في لاميته بقوله:

وما الخبيثان ابن هند وابنه***وان طغى خطبهما بعد وجل

بمبدعين في الذي جاءا به***وانما تقفيا تلك السبل

(3) صلح الحسن بقَلم الامام السيد عبد الحسين شرف الدين
avatar
مهند المسيباوي
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً

ذكر عدد الرسائل : 75
الموقع : mohanad.iraq12@hotmail.com
العمل/الترفيه : mohanad.iraq12@hotmail.com
المزاج : يعني اضحك
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohanad.iraq12@hotmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى